وقد يقع الاستدلال على شطر الغب من وجوه مختلفة ، فقد يقع من العادات وقد يقع من الأعراض .
والوقوع من العادات هو مثل أن يكون إنسان تكثر في بدنه الصفراء وعفونتها . ثم ترفه وترك رياضات واستعمل أغذية وأصنافاً من التدبير تولد البلغم ، أو يكون الإنسان يكثر في بدنه البلغم وعفونته ، ثم ارتاض كثيراً ويعرض لما يولد الصفراء من أصناف التدبير ، أو أوجب السن فيه ذلك بأن شبّ بعد صبا وغلبة رطوبة ، أو اكتهل بعد شباب وحدة مزاج .
وأما من الأعراض فمن مثل النبض والبول وبروز ما يبرز من القيء والبراز وحال النضج وعلاماته وحال للعطش وحال اللمس وحال القشعريرة والنافض وأحوال الأوقات والنوائب .
فأما النبض فيكون فيه أقل عظماً وسرعة وتواتراً مما يكون في الغب ، وأقل في أضدادها مما يكون في البلغمية .
وأما البول فيكون بطيء النضج ، والقيء فيكون مختلطاً من مرار وبلغم ، والبراز مختلطاً من مرار وبلغم .
وأما حال التسخن والتبرد والعطش والقشعريرة والأوقات والنوائب فقد قلنا فيها وجب ، وإنما يتوقع الوقوف على الغالب من الخلطين بالغالب من الدلائل ، فإنه إن غلب البلغم كانت النوائب أطول والاقشعرار أقل والتضاغط وخصوصاً في النبض أقوى ، والأطراف أسرع قبولًا للبرد في أوائل المرض وأبطأ نقاء على بردها والعطش أقلّ ، وقيء المرار أقل والبول أشد بياضاً وفجاجةً ، والعرق أقل والسن ، أصبي أو شيخ ، ومزاج البدن قد يدل عليه ، وكذلك العادة وما يجري معها .
وإن غلبت الصفراء كانت النوائب أقصر والأطراف أسرع إلى التسخن والعطش وقيء المرار أكثر ، والعرق أغزر ، وربما مالت قشعريرته إلى شيء كالنافض ، ويكون البول أشد صبغاً والسن أشب ، ومزاج البدن قد يدل عليه وكذلك العادة وما يجري مجراها .
وإذا تساوى الخلطان توازنت الدلائل ، وكانت قشعريرة صرفة تامة غير ناقصة ولا متعدّية إلى النقص .
وإذا كان التركيب بين الدائرة واللازمة وهي التي يخصها كثير من الناس باسم شطر الغب الخالصة ، وكانت اللازمة هي البلغمية ، كانت نافضاً وضعفاً لأن المادة الخارجة صفراوية ، ولا معارض لها من جهة البلغم خارجاً معها فيما يوجب من نفض ولكنه يكون ضعف ، وربما تكثر فيها البرد والقشعريرة حتى يغلظ في المنتهى كما تعلم وتكثر فيها حرارة الأحشاء والبطن مع برد الأطراف ، ويكون النبض أشدّ صغراً وتفاوتاً ، فإن كانت اللازمة هي الصفراوية لم يكن نافض ولا كثير قشعريرة ويكون النبض أعظم وأسرع ، والكرب أشدُ وإن تركّبت الدائمتان لم يكن نافض البتّة ، ويعرض للغب اللازمة أن تخف قبل البلغمية وإن لم تكن راجعة قبل رجوعها .
القانون في الطب ( طبع بيروت ) — صفحة 106
مساهمون: أبو علي سينا
ص١٠٦