إلّا بعد أن يجرّب ، ولكن يكفى في تصحيحه أن يجرّب مرّة واحدة فيصير بمنزلة ما جرّبه مرارا عدّة . وذلك لأنّ العلم بصحّته كانّه قد حصل قبل التّجربة أو كاد ، غير انّ تجربته مرّة واحدة تكملة للعلم واستظهار فيه . قالوا : وهذا النّقل يحتاج فيه إلى حذق ودربة .
فأمّا التّجارب الّتى تقدّم ذكرها فممكنة لكلّ من حاولها وشرع فيها . فهذا هو طريقهم إلى غاية الطّبّ .
وأمّا أصحاب القياس ، فإنّهم مقرّون بأنّ الحسّ والتّجربة هما مبدءان للعلوم والصّناعات إلّا أنّهم يقولون : لا يقوم الصّناعة الّذى في النّفس إلّا بعد أن يجعل هذان آلة للفكر ، ويستعمل بالفكر والقياس الّذى هو معرفة المجهولات بالمعلوم ، فيستخرج به القوانين الّتى يحتاج إليها في الطّبّ وفي غيره من الصّناعات . قالوا : فيجب أن نعمل الفكر والقياس ، حتى نتعرّف طبائع الأبدان ، أعنى أمزجتها ، ونتعرّف قوى الأسباب المغيّرة للأبدان .
وهذه الأسباب ضربان :
فصرب يغيّر الأبدان بالضّرورة ، وهو ستّة أشياء : الهواء المحيط ، والحركة والسّكون ، والأطعمة والأشربة : والنّوم واليقظة والاستطلاق والاحتباس ، وحوادث النّفوس كالغمّ والفرح والغضب والغيظ والفزع .