وانّما هو قول يخرج من أفواههم من غير انّ يبيّن على صفحات أحوالهم .
ورؤساءهم ثانونيوس الاروفى وثاوسلس وسمّوا فرقة الحيل ، لانّهم بزعمهم قد احتالوا في اختصار الطّبّ ، وحذفوا فضوله الّتى تشتغل بها أصحاب التّجربة وأصحاب القياس .
فلمّا حصلت للطّبّ هذه الفرق الثّلث ، وجب اضطرارا أن ينقّر عن كلّ واحدة منها تنقيرا لايقا بهذا المدخل ، وأن يستشفّ رأيها وحجاجها ، حتّى يتبع المحقة منها ، ولا ينخدع الفرقة الزّايغة عن الحقّ من بينها ، وحتّى تنفّى نفوسنا من المغالطات الّتى تقع في هذه الصّناعة ، فيكون قبولنا للحقّ سهلا غير شاقّ . وإذا كان الصّبّاغون يتقدّمون فيغسلون الثّوب الّذى يريدون صبغه ليقبل اللّون المطلوب ، كنّا جد راء أن نغسل نفوسنا من درن الجهل ونهيّئها لقبول الحقّ .
وقد قال الفاضل ابقراط : « انّ الأبدان الّتى ليست بنقيّة ، كلّما غذوتها ، ازدادت شرّا » .
وإنّما قال ذلك لأنّ المادّة المتقدّمة ، إذا كانت رديّة ، أفسدت المادّة الوافدة عليها ، وقلّبتها إلى جنسها ، فصارت من أعوانها . فكذلك حال النّفس الّتى عششت فيها الأوهام والخدع والمغالطات ، لأنّها لا تكاد تنصبغ بالحقّ إلّا بعد انحسار تلك الأوهام عنها ومفارقتها إيّاها .
وقد قال الفيلسوف افلاطن : « إنّ الشّىء النّقىّ يفسده مجاورة
مفتاح الطب ومنهاج الطلاب — صفحة 34
مساهمون: علي بن الحسين بن هندو
ص٣٤