من البحر أيضا ، ولا نجده « 1 » في بلاد الصقالبية الذين « 2 » غذاؤهم اللبن فلا « 3 » نجد فيها أحدا أصابه الجذام .
فأما باسكندرية فحدوث الجذام - كما قلت - كثير جدا بسبب تدبير أهلها وذلك أنهم يأكلون العصائد « 4 » والعدس والأصداف والسمك المالح البحري ، وكثير منهم يأكلون لحوم الحمير مما يولد خلطا غليظا سوداويا ؛ والهواء في ذلك البلد هواء حار فصار مثل ذلك الخلط الغليظ حركته نحو الجلد ، فما وصفتا من الإسهال قد ينتفع به في هذه العلة فإن واتانا السن والقوة فقد ينبغي أن يستعمل الفصد في ابتداء حدوث السرطان ثم بعده يستعمل الأدوية المسهلة لهذا الخلط ؛ وإن كانت هذه العلة بامرأة « 5 » يدر طمثها ما لم تكن المرأة قد بلغت الخمسين سنة ، ويوضع على السرطان ماء عنب الثعلب فإنه أبلغ دواء في مثل هذه العلل أو يوضع على الموضع المرهم المتخذ بالتوتيا الذي قد علمت أني استعملته في السرطان الذي معه قرحة .
وأما التدبير في هذه العلة وفي الداء الماليخوليا - وهو الوسواس السوداوي فينبغي أن يكون أكثر ما يغتذي به بماء كشك الشعير وماء الجبن ومن البقول الخيار والسرمق والبقلة اليمانية والقرع ، ومن السمك ما كان مرعاه في الصخور ، والطيور كلها ما خلا ما كان منها في الآجام .
فأما أصحاب الجذام ف [ إن ] أكل لحوم الأفاعي لهم دواء عجيب بعد أن تقطع « 6 » الرؤوس منها والأذناب على أربع أصابع من الجانبين ويطبخ بالمرقة المعروفة بالبيضاء بالماء والزيت والشبت ويطبخ حتى يتهرى ويأكلها أصحاب الجذام ، والدواء أيضا المتخذ بلحوم الأفاعي الذي يسمى الترياق الفاروق مما ينتفع بشربه أصحاب هذه العلة ، وإن طلي على الجلد منه كان نافعا « 7 » جدا فإنه ربما تقشرت عن الجلد قشرة شبيهة بالقشرة التي تنقشر عن الحيات .
فهذا قول جالينوس في كتابه إلى أغلوقن .
وقد كنت خبرت في الجذام : أن رجلا من ملوك العجم لحقه الجذام ، فأخرج عن المدينة واتخذ له على باب المدينة مسكنا يأويه ، ووكل به جاريتين ، وكانتا تخرجان « 8 » إليه في كل يوم طعاما « 9 » وشرابا من الخمر ، فلما أن كان في يوم من الأيام طلب من الجارية من ذلك الخمر شربة يشربها ، فجاءت الجارية فوجدت في الجرة التي فيها الخمر أفعى قد سقطت فيها وماتت ؛ فقالت لصاحبتها : نسقيه من هذا الخمر الذي قد ماتت فيه الأفعى حتى يموت ونتخلص من خدمته . فسقتاه « 10 » منه ، فلما شربه سقط لما به ثم انقشر
هامش
( 1 ) بالأصل : نجدها .
( 2 ) بالأصل : اللذين .
( 3 ) بالأصل : فليس تجد فيه .
( 4 ) العصائد : جمع عصيدة : وهي دقيق يلتّ بالسمن ويطبخ .
( 5 ) بالأصل : بمرأة .
( 6 ) بالأصل : يقطع .
( 7 ) بالأصل : نافع .
( 8 ) بالأصل : وكانت تخرج .
( 9 ) بالأصل : طعام وشراب .
( 10 ) بالأصل : فاسقوه .