وقد تكون هذه الفضلة صفراء أو سوداء أو بلغما مالحا أو حامضا ، وكل هذه قد تكون غليظة وتكون مائية ، واستدل على نوع الكيموس الغالب على ما في باب الأخلاط .
ومتى كان مع الإعياء بثور في البدن سهل تعرف الخلط الغالب ، وإذا لم يمكن فاعرفه بالحدس من التدبير المتقدم وسائر الدلالات المقولة في باب تعرف غلبة الأخلاط ، ثم اقصد لاستفراغ ذلك الخلط إما بالفصد ، وإما بالإسهال ، وإما بضروب أخر إذا لم يكن هذين .
لي : يجب أن تعلم أن العناية بتدبير الإعياء واجب ، لأن فيه حفظ البدن من الحمى ، لأن الإعياء إذا لم تعالج ألهب الحمى أو النافض التي لا تتبعها حمى على مقدار الخلط الفاعل للإعياء .
قال : ولأن الإعياء القروحي يكون فيه خارج العروق خلط لذاع ينخس اللحم وداخل العروق خلط ني لم يستحكم نضجه صار الغرض في استفراغ ما في اللحم وانضاج ما في العروق ، فلذلك يجب أن يمنع من الحركات الصعبة ، ومرخه بالدلك ، وليكن الدلك برفق ويحمه كي يستفرغ بذلك ما في اللحم ، ثم أمره بالهدو والسكون والإمساك عن الغذاء ، ثم حمه أيضا مرة ثانية ، أو ثالثة إن أمكن ذلك من غير أن يغتذي بشيء البتة ويكون فيما بين ذلك ساكنا نائما ، والحمام يجلب له النوم .
لي : متى كان يعرض له عن الحمام نافض فاعلم أن الأمر قد خرج عن هذا الحد ، وإن كان بالأخلاط من الكثرة والرداءة ما يثير حمى ، فاترك الحمام البتة ، وعليك بالاستفراغ بالدواء والإنضاج وتبديل المزاج .
قال : فاجعل غذاءه حساء يسيرا أو ماء الشعير وكذلك تدبره من غد ، واجعل غذاءه ماء الشعير والأشياء التي تلطف أكثر متى توهمت أن الأخلاط الخامة في العروق كثيرة ، والسكنجبين والفلفل والزنجبيل وجميع الأشياء التي تقطع الأخلاط الغليظة ، وأعطهم الخس والسمك الرضراضي وكل ما ليس له لزوجة ؛ وأعطهم لحوم الطير ، ومن الأشربة السكنجبين وماء العسل والشراب الأبيض اللطيف ، وأكثر من هذه بحسب ما تميل إليه من حال ما في الأوردة وحال ما خارج .
وقال : وبالجملة فأعطهم من الأغذية الجيدة الكيموس التي تجلو من غير لذع ولا تغذو غذاء كثيرا ولا تولد خلطا غليظا ، وأما الأشياء التي تدر البول فلست أحمدها في هذا الموضع ، ولا سيما الكثيرة الإسخان المذيبة للدم ، لأنها تثور الدم .
قال : فدبرهم على هذا اليوم الثاني والثالث والرابع فإن رجع البدن إلى حاله وذهب الإعياء البتة فادلكه دلكا كثيرا ليستفرغ ما في اللحم كله .
قال : ورضه رياضة قليلة ، فإن ذهب بعد ذلك مس الإعياء كله فرده إلى العادة والرياضة التي كان عليها ؛ وإن كان قد بقي من الإعياء شيء وحده وظلت العلامات الدالة على الخلط الخام في العروق فعالجه بعلاج التسكين .
الحاوي في الطب — صفحة 389
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٣٨٩