الأبدان المرارية يضرها تأخير الغذاء وتركه ، فأما البلغمية فلا .
قال : وينبغي أن تنظر ، فلعل البدن إنما يغلب المرار والبلغم على معدته فقط ، لا على كل مزاجه ، لأنه وإن كان كذلك فهذا الحكم فيه صحيح ، وإنما ذكرناه لئلا يغلطك أن ترى بدنا الغالب عليه في جثته وسحنته البلغم ، فيجري الحكم عليه ، فإنه ربما كان يتولد في معدته مرار كثير ، وهذا يضره الإمساك عن الغذاء وجميع ما حكيناه .
والأطعمة المعتدلة والأشربة أفضل من غيرها لمن اعتادها ، وإن كانت أحسن منها ، لأنها فيهم أجود وأسهل هضما وأقل توليدا للأمراض .
روفس في « كتاب الشراب » : من أراد أن يجلس بعد أكله ويشرب يومه فلا يسرف في الرياضة قبل الطعام ، فإنها تتعبه وتنقله وتنيمه إذا أكل ؛ ومن أراد النوم فليتعب قبل الطعام ، وليقدم قبل أكله ما يدر البول كالكرفس ونحوه ، ويجعل طعامه جملة يومه ذلك الذي يريد أن يشرب فيه أقل ، فإنه أصلح لبدنه وأصح من غد ؛ وإن كان بدنه ضعيفا فليجنب « 1 » السكر ، فإنه السكر رديء ، وخاصة في الأبدان الضعيفة ؛ وإن اتفق أن يشرب كثيرا مع أكل كثير فليدفع ضرره بالقيء ؛ فإن تهيأ أن يشرب بعد القيء ماء العسل ويتقيأ أيض فإنه جيد ، وليتمضمض بعد ذلك بماء وخل ، ويغسل وجهه بماء بارد .
وقال في « كتاب شرب اللبن » : إن التعب بعد الطعام يحمض الطعام .
وقال روفس في « كتابه إلى العوا » : أما تدبير من كان صحيحا فأراد حفظ صحته أن يروض بدنه بالأعمال قبل الطعام ، وأن تكون تلك الأعمال أعمالا قد اعتادها فإنها أوفق وأنفع ، ثم ليتناول منها ما قد اعتاد أكله وعرف أنه أنفع له ، ويجتنب ما علم أنه يضره ، فإن كل إنسان أعلم بذلك في نفسه من الطبيب ، لأن من الأطعمة ما ينفع بعض الناس دون بعض ويضرهم لأمر لا يعرفه الأطباء ، ولا يدركه إلا بالتجربة ، وتكون كميته بقدر ما يسهل عليه هضمه ، وبقدر تعبه وعرفه ومراره ، ويأكل في المرات بحسب عادته ، وذلك أن من الناس من يثقل جدا إذا أكل طعامه في مرة ، ومنهم من ينتفع بذلك ، واتبع في الجملة العادة ، فإن قوتها عظيمة ، وسل كل واحد عن تدبيره لنفسه ، واعرف ذلك منه ، ثم دبره كذلك .
والامتلاء من الطعام رديء وإن هضمته المعدة ، فإن العروق ينالها منه ضرر ، وتمددت وتشققت وأورثت أوجاعا كثيرة ، وكثرت البخارات في البدن لكثرة الدم ، لأن قلة البخارات وكثرتها تابعة لكمية الدم .
قال : ويجب إن أكثر يوما من الطعام لشهوة أن يتقيأه من ساعته ، ويلطف تدبيره من غد ، فمن أدمن التملي من الطعام ولم يستعمل أنواع الاستفراغات كثرت الفضول في عروقه ، ومن لم ينهضم طعامه عرض له ثقل ووجع في القلب ، وملأ أمعاءه رياحا ، وعرض له وجع
هامش
( 1 ) في نسخة : فيجتنب .