من شراب إلى شراب ، ومن صرف إلى مزاج ، ومن مزاج إلى صرف ، إلا قليلا قليلا ، واستعن بباب العادات ، وكذلك الأوقات ، مرة كانت أو اثنتين .
واعلم أن الأبدان المرارية إذا أمسكت عن الطعام وقت عادتها انصب إلى معدها مرار ، فأفسد معدهم وقلل شهوتهم ، فإن أكلوا بعد ذلك كان هضمهم فاسدا رديا ، لاختلاط المرار بالطعام ، ويكون نومهم رديا .
لي : أنا أرى أن يقدم هؤلاء في هذه الحالة البطيخ والتوت والفواكه الرطبة المبردة ، ويمكثون ساعة ، حتى تختلط وتنحدر ، ثم يأكلون طعامهم ، وإن أمكن يقيؤا أولا ، ثم يأكلوا .
اليهودي « 1 » قال : لا يجب أن يطلق شرب الماء وقت أخذ الأغذية في الانهضام ، ولا في الليل بعد النوم إذا كان الجوف فيه طعام ، لأن ذلك يبلد الهضم ، ويطفئ الحرارة الغريزية .
متى كان رجل يستمرى الأغذية الغليظة وتفسد في معدته اللطيفة ، فاعلم أن مزاج معدته حار ، إما بالطبع وإما بالعرض ، وهذا إنما تفسد هذه الأطعمة فيه إلى الدخانية أبدا ، لأنها تفسد بفرط الحرارة ، فانظر إن كان برازه في الأكثر أبيض ، وبدنه بدن بلغمي فقيئه قبل طعامه ، وإن كان غير ذلك فقد ذكرناه .
ويجب أن تجعل الغذاء على حسب المزاج والوقت والحال جملة ، فانظر فيه .
مثال ذلك ، أن الأبدان المتخلخلة تحتاج إلى أغذية أغلظ ، وبالضد ، وكذلك الذي يرتاض ويتعب ، فأما من كان يتولد فيه دم كثير جدا ، فيحتاج إلى أطعمة قليلة ، فإن لم يشبع بها جعلت كثيرة الكمية ، قليلة الغذاء وبالضد ، من كان يحتاج أن يتولد فيه دم كثير ولم يمكن حمل الأغذية الكثيرة في معدته ، فيحتاج إلى أطعمة قليلة الكمية ، كثيرة الغذاء ، وعلى ذلك فقس في جملة البدن وفي عضو عضو منه .
الأغذية ما دامت تزيد حفظ البدن على حاله فتكون أشكالا وأما إذا عرض للبدن عارض احتجت أن تزيله ، فتكون أضداد العارض ، وكذلك إذا أردت أن تنقل مزاجا رديا ، وكان صحيحا ، إلى مزاج أجود منه .
الأطعمة المولدة للدم اللطيف أحمد في دوام الصحة ، لكنها لا تفيد البدن جلدا ولا قوة ، والغليظة بالضد ، فمن كان يريد دوام الصحة ، ولا يحتاج إلى أعمال فيها كد فليدمها ومن كان يحتاج إلى الأعمال القوية ، فلا بد له من الغليظة فليمد يده إليها مع حسن التدبير لما يحتاج إليها ، ولا يدمنها .
هامش
( 1 ) هو ماسرجويه متطبب البصرة ، كما في عيون الأنباء : كان في أيام بني أمية وأنه تولى في الدولة المروانية تفسير كتاب أهرن بن أعين من السريانية إلى العربية ، وجده عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه في خزائن الكتب فأمر بإخراجه .