الأولى من « الأغذية » ؛ قال : الذين يتعبون تعبا شديدا كثيرا كالفلاحين وغيرهم أقوى الناس على استمراء الأغذية الغليظة ، لأنهم لشدة تعبهم ينامون نوما غرقا ، وهذه الخلة الواحدة نافعة في استمرائها ، فأما كثرة التحلل من أبدانهم اللازم لهم من أجل التعب فإنه يدعو إلى أن تختطف الأعضاء الغذاء من المعدة سريعا قبل استحكام نضجه ، وربما اختطفته ولم ينله شيء من النضج ، وذلك إذا ما أردت أكلها تتعب .
قال : وهؤلاء القوم يصابون في آخر أعمارهم بأمراض عسرة شديدة ويموتون قبل وقت الشيخوخة ، وكثير من الناس لجهلهم يغبطونهم بقوة أبدانهم وإذا رأوهم يستمرؤن أشياء لا يقدر على استمرائها .
قال : فليس لهؤلاء في الاستمراء خلة محمودة إلا النوم الغرق ، فإن ذلك يعينهم معونة بيّنة على الاستمراء فإن أخذ هؤلاء السهر ليالي كثيرة متوالية مرضوا على المكان .
قال : إن دام أحد على استعمال الأغذية الكثيرة الغذاء ممن لا يرتاض أسرع إليه الامتلاء ، كما أن بعض أصحاب الرياضة كالصراع ونحوه إن دام على البقول وماء الشعير فسد بدنه وأسرع إليه السل .
قال : والخلاص من التخمة إنما يكون بانحدار ذلك الشيء الفاسد إلى أسفل فقط .
الثانية من « الأغذية » ؛ قال : يجب أن تسأل عن الغذاء وتمتحنه بالتجربة ، فإن بعض الأغذية الردية يستمرئها بعض الناس بخاصة مشاكلة بين ذلك الإنسان وبينها ، وتكون له أقل ضررا منه لغيره ، ويكون هذا أعظم سبار لك وأوثق من غيره .
قال : والحزم في أن تترك الأغذية الردية وإن كانت تستمرأ ، لأنها لا بد أن تولد على طول الأيام في البدن خلطا رديا مائيا خاما وإما حارا حريفا ، ويورث حميات وأمراضا ، الأولى أن تقدم أسرع الأغذية نزولا قبل أعسرها أبدا ، لأنك إن أخرتها فسدت وأفسدت الغذاء كله .
قال : وقد ينتفع بالفواكه الرطبة الباردة إذا قدمت قبل الأغذية في اليوم الذي تعب فيه الإنسان وأصابه حر شديد ، فإنها تطفئ فضل تلك الحرارة ، وليس هذا التدبير أيضا في الغاية من الجودة ، لأن له تدبيرا أجود من هذا في إطفاء تلك الحرارة وهو ماء الشعير والأغذية الجيدة الخلط ، وإذا قدمت الأغذية الجيدة الرطبة السريعة الاستحالة أولا أعانت على إطلاق البطن وسهلت للطعام مخرجه ، وإن أكلت بعد الطعام أشياء قابضة وقد أكلت قبله أشياء مزلقة قوت أعالي المعدة وأطلقت الطبيعة ، ويجب أن يستعمل ذلك فيمن يصيبه القيء بعد الطعام كثيرا ، وإن قدمت القابضة ثم أكلت المزلقة ضعفت أعالي المعدة وهاج القيء وامتسك البطن لأن أسافلها قوية .
في آخر الثانية من « الأغذية » ؛ قال : يجب أن تحذر إدمان الأشياء الحريفة الحادة ، ولا سيما
الحاوي في الطب — صفحة 333
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٣٣٣