قال : كان أبوه يمنعه من أكل الفواكه في الخريف ، فيبقى لا يمرض ، ثم أنه أكل في الخريف من الفواكه ، فمرض مرضا احتاج فيه إلى فصد ، وبلي بدبيلة .
قال : فجعلت على نفسي أن لا آكل من الفاكهة شيئا خلا التين والعنب المحكم النضج وأن لا أكثر منهما .
لي : استعن « بجوامع حفظ الصحة » .
وقال هاهنا : الأطعمة الغليظة إن انهضمت فغذاؤها كثير وخلطها جيد ؛ وأقوى الناس على استعمالها أصحاب الرياضة الذين مجاريهم واسعة ، وهم الذين لا يعرض لهم منها وجع في الكبد ولا ثقل ولا تمدد . فأما غير هؤلاء فتؤذيهم السدد .
والأطعمة الملطفة تجعل الدم أولا سخنا رقيقا ثم تجعله سوداويا ؛ وأجود الأطعمة المتوسطة لمن يعنى بحفظ الصحة ، لا بخصب البدن .
قال : فينبغي لمن يعنى بحفظ الصحة أن لا يدمن الغليظة ، لكن كما يجب استعمالها على غير شروطها ولو كانت جيدة الكيموس . وأما الردية الكيموس فليجتنب في كل الأوقات ، ملطفة كانت أو مغلظة ؛ وأما الغليظة فليس في كل حين يجب أن تجتنب ، لأن أهل الرياضة وأصحاب المجاري الواسعة يمكنهم استعمالها والانتفاع بها .
قال : وأما الأطعمة الجيدة في الأكثر فهي التي تولد دما معتدلا ؛ وأما الأطعمة اللطيفة الخلط فإنها تجعل الذين يدمنونها نحافا ضعافا لأن غذاءها يسير .
وأفضل الأطعمة كلها في بقاء الصحة المتوسطة بين اللطافة والغلظ واللزوجة والقحل ، فإن إفراط القحل في الأطعمة رديء ، ولذلك صارت الأطعمة المتخذة من الدخن والجاورس قريب أن يظن آكله أن يأكل رملا .
لي : ومثل هذه لا يتولد عنها دم محمود ، لكن دم لا لزوجة له وليس ذلك بحميد .
قال : والأبدان المستحصفة العسرة التحلل يحتاجون من الأغذية إلى أرطبها وأسرعها تحللا وألطف وأقل مقدارا وأيبس وأبطأ تحللا .
قال : ومن كان دمه سوداويا يحتاج إلى الأغذية الرطبة المزاج ؛ ومن كان دمه صفراويا يحتاج إلى الأغذية الرطبة الباردة . وأما الذي دمه بلغمي فيحتاج إلى الأغذية الحارة اليابسة ؛ ومن كان يجتمع في بدنه دم جيد إلا أنه كثير الكمية فإلى أغذية جيدة قليلة الكمية .
قال : فمن أراد استعمال الأغذية بالصواب فيحتاج أن يعرف حال الأبدان ، ثم يكون غرضه بعد فيها أن تكون جيدة الكيموس ، وأن تنهضم هضما جيدا ؛ ويستعملها بحسب مزاج البدن وأعضائه ، فإنه ربما كانت أعضاء البدن مختلفة ، فاحتيج لذلك إلى تدبير مستقصى .
قال : والأطعمة اللطيفة أحفظ للصحة ، لكنها لا تكسب البدن جلدا ولا خصبا ؛ فمن آثر دوام الصحة بلا جلد فليدمنها ، ومن يحتاج مع ذلك إلى جلد فليأخذ من المغلظة ولا
الحاوي في الطب — صفحة 330
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٣٣٠