تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحاوي في الطب — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
قال : ومن اعتاد أن يأكل في اليوم مرتين إن أكل مرة استرخى بدنه وضعف ، وجزع من كل عمل ، وعرض له وجع في الفؤاد حتى يتوهم أن أحشاءه معلقة ، ويبول بولا حارا ، أو يبرز برازا محترقا ؛ وربما وجد في فيه مرارة وغثيا ، وتغور عيناه وصدغاه ، وتختلج وتبرد أطرافه ، وخاصة إن كان مزاجه مراريا . وأما اختلاج الأصداغ فيزيد به شدة نبض الشرايين التي هناك . وأما أطرافهم فتبرد لانصباب المرار إلى المعدة ، فيؤذيها ويلذعها فيكرب ، فتبرد الأطراف لذلك . والأكثر ، من ترك من هؤلاء الغداء لم يمكنه أن يستوفي عشاءه ، وإذا تعشى تقلبت معدته وثقلت ، وعسر نومه أكثر مما كان لو كان قد تغدى يومه ذلك . قال : ومن كان مراري الطبع ولبث من غير أن يتغدى ولم تكن له عادة جرت بذلك انصب إلى معدته مرار فتشغب نفسه للطعام لسوء حال معدته ؛ فإن أكرهها على ذلك ثقل عليه وضعف نومه وكثر تقلبه وفسد طعامه ؛ ومتى كانت مدة صومه أطول كان ثقل العشاء عليه أشد . ويجب لهؤلاء أيضا أن يتوقوا الحر والبرد ، فإن احتماله يصعب عليهم ، ثم يتعشون عشاء خفيفا ، وليكن غذاؤه رطبا ، ويخفف غذاءه من غد ويشرب شرابا أبيض غير ممزوج . وبالجملة من أراد أن يعود من ترك الغذاء إلى أكله ومن أكله إلى تركه فيجب أن يعود إليه على تدريج . وأهل المرار أقل احتمالا للصوم وهو عليهم أصعب ، لأن معدهم تفسد وتمتلئ مرارا إلا أن ذلك لمن جملة بدنه مراري ، فهو أصعب عليه وأنهك لقوته . وأما من ينصب إلى معدته المرار وليس مزاجه بمراري فإنما تعرض له الأعراض الردية في المعدة فقط كالغثي وقيء الصفراء . والذي الغالب على مزاجه ومعدته البلغم يحتمل الصوم والأكل مرة ، لأن البلغم يستحيل عند التجوع « 1 » إلى الدم ويغذوهم ؛ وأما أصحاب المرار فيزيد الجوع مرتهم حدة ورداءة . قال : والسبب في أن تكون الأحشاء معلقة ؛ أن المعدة إذا لم تمتلئ بالطعام لا يسدها لكن تنقبض وتنضم فتنغلق الأحشاء . قال : وتناول الأغذية والأشربة التي قد جرت بها العادة ، وإن كانت أخس ، كانت أوفق من التي هي أجود منها إذا كانت غير مألوفة . قال : ومن انتقل من قلة استعمال الطعام إلى الإكثار منه وبالضد عظم ضرره له جدا ؛ والانتقال من قلة الغذاء إلى الإكثار منه بغتة أكثر ضررا مرات كثيرة من الانتقال من الكثرة إلى القلة .
هامش
( 1 ) في نسخة : الجوع .
الحاوي في الطب — صفحة 327 | محمد بن زكريا الرازي / هيثم خليفة الطعيمي