وقال في « كتاب الأغذاء » : إن اللحم متى استمرىء نعما تولد منه دم جيد فاضل نافع لصاحبه ، وخاصة من لحوم الحيوانات الجيدة الخلط بمنزلة لحم الخنزير ، وقد يعرف بالتجربة أن لحم الخنزير أكثر غذاء من جميع الأغذية .
ولحم البقر غذاؤه أكثر ، إلا أنه يولد دما غليظا مائلا إلى السوداء ، فإن أكله سوداوي بالطبع أصابه منه إذا أدمنه الأمراض السوداوية كالجذام والسرطان والجرب المتقشر والربع والوسواس وغلظ الطحال ، حتى أنه ربما فسد منه المزاج وأورث الاستسقاء .
وكما يفضل لحم البقر على لحم الخنزير في الغلظ كذلك يفضل لحم الخنزير على لحم البقر في اللزوجة والمائية ، وهو أوفق للاستمراء والهضم .
وكل حيوان يابس المزاج فلحم صغيره أفضل ، لأنه أرطب ، وبالعكس ؛ فلذلك لحوم العجاجيل أفضل من لحوم البقر ، ولحوم الجداء أسرع هضما من لحوم المعز البالغة .
وإن كان المعز أقل يبسا من البقر لكنه أيبس من الإنسان والخنزير ، فلذلك لحوم الخنانيص تغذو غذاء قليلا لرطوبتها وسرعة نفوذها وتحللها .
ولحم الحملان أيضا أرطب وأكثر تولدا للبلغم .
ولحوم النعاج أكثر فضولا وأردأ خلطا .
ولحم الماعز يولد خلطا رديئا مع حدة .
ولحم التيوس خلطه رديء جدا ، واستمراؤه وهضمه عسر جدا .
وبعد لحوم التيوس في ذلك لحوم الكباش ، وبعد الكباش لحوم البقر .
ولحم الخصي أفضل من جميع الحيوانات من الفحل .
والهرم رديء الخلط والهضم ، وغذاؤه قليل ، حتى أن الخنازير على رطوبة مزاجها إذا هرمت صار لحمها كالليف جافا ، فيعسر لذلك هضمه .
فأما لحم الأرانب فدمها غليظ إلا أنه على حال أجود من الدم المتولد من لحم البقر والكباش والنعاج .
ولحم الإبل ليس بدون هذه في رداءة الدم ، فهو عسر الهضم ، صلب .
ولحوم الحمر الوحشية متى كانت سمينة فتية فهي قريبة من لحم الإبل .
ولحوم الحمر الحضرية الهرمة هي في الغاية القصوى من رداءة الدم وعسر الهضم ، وهي رديئة الدم ، بشعة ، زهمة ، لا تقبلها النفس . وكذلك لحوم الخيل .
وشر من هذه لحوم الدببة .
وشر من تلك لحم الأسد والنمر . وقد تؤكل بعد طبخها بماءين .
والحيوان المخصب أجود هضما .
الحاوي في الطب — صفحة 374
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٣٧٤