جسمه لتقدم النفس بالشرف على البدن » . ومن فلسفة إسحاق بن علي الرهاوي أن رعاية الطبيب لجسمه وحفظ صحته هي من الظواهر التي تدفع مرضاه إلى العمل بوصاياه فقال « 1 » : « أنه من الصواب بعد ما قدمته من هذه الجمل أن أذكر جملا من الوصايا التي تحت الطبيب على ما يصلح بقية أعضاء البدن الكبار ، ويستدل بها على إصلاح باقي الأعضاء .
ثم اتبع ذلك بوصف سيرة الطبيب وكيف ينبغي أن يكون وكيف يرتب تدابيره لجسمه يوما يوما سائر أيام حياته » . كما ذكر الرهاوي أن الأطباء في زمانه قد جهلوا أصول المهنة وطرق ممارستها ، وكثر بينهم منتحلوها ، فقصروا في بلوغ الهدف منها ، فرأى أن يضع هذا الكتاب تنبيها وتوجيها لهم وردهم إلى ما يجب ان يعملوه لإصلاح حالهم ، وتصحيح معلوماتهم بالعلوم الطبية وممارستها .
واستهدف الرهاوي من وضع هذا الكتاب ، إضافة إلى تعليم آداب المهنة ، إبراز شرفها ، وعظيم ما يستفاد منها في حالتي الصحة والمرض ، وما ينبغي على الطبيب من الثقة بعون اللّه تعالى ، خالق الانسان والأكوان ، وانه هو الباري ، والمعين ، والشافي . وهذا تثقيف روحي للطبيب يبعد من يتحلى به عن الدنايا والخداع ، وابتزاز أموال البسطاء من الناس والمرضى ، ويتحاشى ما يفسد صناعته سواء كان ذلك من جانبه ، أو من جانب مريضه ، وما يوصل بينهما من الممرضين والصيادلة والخدم . كما أن في هذا الكتاب توجيهات ونصائح للأطباء ، والصيادلة ، والمرضى ، وأهلهم ، ومن يقوم على خدمتهم ، وزائريهم إضافة إلى معرفة مركبات جسم الانسان ، وما فيه من أجهزة وأعضاء كأدوات الحس الخمس ، والأعضاء الرئيسة كالدماغ والقلب ، والكبد ، والأعضاء التي تخدمها كالمعدة والكليتين ، والطحال ، والمثانة ، والرئة . ولمعرفة هذه الأعضاء لا بد من الإلمام بتشريحها ، وبوظائفها الغريزية . وقد خصص الرهاوي لهذا الموضوع الباب الثاني وهو أطول أبواب الكتاب جميعا وعدّه القاعدة التي يعتمد عليها ما في الكتاب من معلومات في الوقاية من الأمراض ( تدبير الأصحاء ) وتشخيص الأمراض وعلاجها ( تدبير المرضى ) . كما أدخل الرهاوي في هذا الباب جدولا لأعمال الطبيب اليومية والتي كان هو نفسه يمارسها بحرص ودقة واهتمام . وتتضمن وصاياه نظافة الثوب ، والجسد ، وابتداء اليوم بالصلاة
هامش
( 1 ) المصدر السابق ص 104 .