تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أدب الطبيب — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩

الباب السادس عشر في امتحان الأطباء

أما بعد ما قدمته من الأقاويل النافعة للأطباء ولسائر الناس فأني قائل في محنة الطبيب قولا ليس بدون نفع الأقاويل المتقدمة وذلك ان محنة الطبيب واجبة لأسباب أقدمها شرف الموضوع لصناعة الطب والموضوع هو الانسان المحتاج إلى استعمال الطب فان الغلط من الطبيب إذا وقع بالانسان كان أعظم كثيرا من أغلاط أصحاب الصنائع الأخر لان النجار والصائغ وغيرهما من أهل الصنايع والمهن لا تبلغ مقادير اغلاطهم مقدار غلط الطبيب ، كما لا يبلغ قدر موضوعاتهم قدر موضوعه وهو نفس الانسان وجسمه وأيضا فان الصائغ مثلا متى غلط في صناعة الخاتم أمكنه كسره وأعادته وكذلك النجار في عمل السرير والإسكافي في عمل الخف . فأما غلط الطبيب فليس كذلك وخاصة ان كان غلطه مهلكا فاليأس من الصلاح واقع . فلذلك وجب تمييز الأطباء بالمحنة وانتقادهم بالنظر والبحث ليظهر فضل الأفاضل فتسلم إليهم النفوس ويظهر جهل المدعين لها فيحذر على النفوس منهم ، ومن الأسباب الموجبة لمحنة الطبيب صعوبة الصناعة وطولها ، اما صعوبتها فلكثرة أصولها ومن الأحرى أن تكون فروعها أكبر كثيرا وأيضا فلاشتباك أصولها وفروعها بعضها ببعض فلذلك أتسعت الأقاويل فيها ووضع أهلها في علمها أصنافا من الكتب فاستصعب لذلك دركها وخاصة على أهل الكسل والتواني وعلى من غلظت قريحته وقنع منها بالتكسب بأسمها وبالحيل التي قد نصبها الأشرار وأصحاب الحيل للناس كالشباك والافخاخ لصيد الحيوانات فلذلك يجب ان يفتش عمن أدعاها لينظر هل هو من أهلها بالحقيقة لأنه قد افنى زمانه في درس كتبها وفي صحبة أهلها وفي خدمة المرضى وعانى من امرها ما يستحق معه ان
أدب الطبيب — صفحة 169 | اسحاق بن علي الرهاوي