المريد تعلم صناعة الطب في جسمه وفي نفسه ولأنا قد قدمنا في الباب الأول من كتابنا هذا أوصاف الجسم المحمود والنفس الفاضلة فلذلك يستغنى عن اعادته هاهنا . واما السبب الثاني فهو ان كثيرا من الصناعات لا يمكن فيها أشياء يمكن ان تضر من يستعملها واما صناعة الطب فممكن فيها تلك الأشياء بأعيانها التي ينتفع بها ان تضرّ أيضا وإلى الطبيب في أكثر الأمراض التي تخلص المرضى ان شاء أو تقتلهم . فلان لا يدني الطبيب في وقت من الأوقات فسبب منفعة من المنافع ينالها على غير الواجب مكان الأشياء التي ينتفع بها أشياء تضر ، تقدم بقراط فعقد في عنقه هذه الايمان فاحلفه ان يكون دخوله إلى المرضى طلبا لمنفعتهم لا الاضرار بهم . من ذلك أنه قال بهذا السبب في ذلك الكتاب هذا القول قال بقراط وجميع المنازل التي أدخلها لمنفعة المرضى وانا بحال خارجه عن كل جور وفساد . ثم ذكر جالينوس سببا ثالثا لوضع بقراط لكتاب العهود والأيمان وهو هذا يقول ، قال جالينوس ان الذي قد كان فيما تقدم من معلم الطب إلى اسقليوس عهود وأيمان يمنعهم من تعليم صناعة الطب أحدا خلا أولادهم وكانت المواضع التي يتعلم فيها الطب ثلاثة أحدها في مدينة رودس والآخر بمدينة قو والثالث بمدينة قندس « 92 ب » الا ان التعليم الذي كان بمدينة رودس وبمدينة قندس باد بسرعة لأنه لم يكن لأبنائهم نظر وذلك لان الوارثين له كانوا نفرا يسيرا واما الذي بمدينة قو تمت منه بقايا يسيره لبنات الوارثين له فلما نظر بقراط إلى صناعة الطب قد قربت من التلف بسبب هذه الأجناس الثلاثة ونقصاتهم ، أحب ان يذيعها في جميع الناس كيلا تبدو ولئلا يظن أنه قد أخطأ فيما بينه وبين ربه جعل المتعلمين للطب أمانة بما عقد في رقابهم من الأيمان وبيان ذلك في قوله في كتاب الايمان هذا القول . قال بقراط : وأرى ان المعلم لهذه الصناعة بمنزله أباي والجنس المتناسل منه مساوى لأخوتي « 93 » قال جالينوس فبعد ان جعل المعلمين للصناعة انما علمهم إياها من غير أن يكون في ذلك على ذم وخطأ فيما بينه وبين اللّه تعالى . .
وإذ قد اتضح بما حكيناه عن القدماء كيف كان شرف صناعة الطب في الدهور السالفة
هامش
( 92 ب ) رودس ، قو ، قنديس - أسماء جزر صغيرة يونانية قريبة من ساحل آسيا الصغرى من جهتها الغربية الجنوبية ، ولكل منهما تاريخ في الطب اليوناني .
( 93 ) هذه فقرة صغيرة من قسم ابقراط الذي نشره ابن أبي اصيبعة ( عيون الانباء ص 45 ) .