تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أدب الطبيب — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
العامة ويفتضح وهمهم وكيف لا يهرب هؤلاء الأطباء من الآحاد المناظرين لهم على صناعتهم وهم يخدمون ألوفا من الناس لا يعرفون من خطأهم شيئا يتصورونه صورة الصواب ، ويعتقدون في اطبائهم انهم حذاق بسبب صناعة الطب والسبب في ذلك مع جهلهم وقلة انتقادهم انهم يجدونهم يتولون لهم ويكثرون الترداد إلى منازلهم ويرخصون عليهم الأدوية وكثير منها يأخذونها بغير ثمن ، فهم لذلك أفاضل عندهم ولا يفكرون في أن يهلكون عند أمراضهم بتدبير هؤلاء الأطباء لهم . وكيف لا يكون بهذا الجهل وسوء العقل والبحث قوم لم يتأدبوا « 81 » ولا عرفوا من أمور الدنيا شيئا إلى مباكرتهم إلى التكسب بالصنائع وتشاغلهم نهارهم اجمع بالحيلة على جمع الدراهم ثم إذا انصرفوا إلى منازلهم نعسوا وناموا ، كذلك يجري امرهم طول زمانهم ، أترى من اين يقتني أمثال هؤلاء أدبا أو علما « 82 » وهل منزلة هؤلاء ومن هم بصورتهم من الأطباء الا بصورة البهايم التي هي سائرة مع طبعها . ولقد سألني شيخ من أبناء السبعين سنة وفوقها يوما وقد كنت أشرت عليه بأن يغذي مريضا كان له كنت أعوده بمزورة « 83 » وهو واقف بين يدي قصاب قد ذبح شاة مسنة هرمة فقال لي : هل اخذ من هذا اللحم ؟ فقلت : ولم تسألني عن ذلك ؟ فقال أردت هل يصلح للمزورة التي أشرت بها ؟ فنظرت اليه متعجبا منه ، فقال لي : أراك تنظر إلي ولا تجيبني ، قلت : نظري إليك تعجبا منك وأنت شيخ لك فوق السبعين سنة ولا تعلم أن المزورة لا تكون بلحم ، ولو صلح أن تكون بلحم هل كان يجوز أن يكون من هذا اللحم ، ليس العجب منك ، العجب ممن يدبّر مريضا لك . ولم أعد إلى مريضه خوفا ان يجبني ما هو أعظم من هذا فينسب اليّ . ومثل ذلك أيضا جرى لي مع آخر من السوقة بحلب كان به إسهال دفعت اليه سفوفا وأشرت عليه ان يغتذي بمزورة ( نيرباخ ) « 84 » فلما جاءني في الغد شكا وقوف حاله فأمرته بمعاودة تدبيره بعينه فأخذ يذم المزورة ويحلف انه لا عاودها ، فقلت لأي سبب ؟ فقال لأنها لم تكن طيبة ، فعلمت انه لم يهتد « 85 » إلى جودة عملها لأنه لم يكن خبيرا بالطبيخ وكان عازبا ،
هامش
( 81 ) وردت في الأصل ( يتأدبون ) والصحيح ما أثبتناه . ( 82 ) وردت في الأصل ( أدب وعلم ) والصحيح ما أثبتناه . ( 83 ) الطعام المزوّر هو الذي يخلو من اللحم ، ويزوّر ليظهر فيه وكأنه يحتوي عليه . ( 84 ) مزوّرة نيرباج - لم أقف على تعريف هذه المزورة . ( 85 ) وردت في الأصل ( يهتدي ) والصحيح ما أثبتناه .
أدب الطبيب — صفحة 161 | اسحاق بن علي الرهاوي