ذلك طبيبا رأى مريضا به إسهالا قويا ولم يكن عنده علم بأسباب الاسهال فان منه ما ينبغي ان يقطع ومنه ما لا ينبغي ان يقطع بل منه ما يجب معاونة الطبع على دفعه فبغير شك ان ذلك الطبيب يبقى حائرا دهشا فأما إن كان حاذقا فسينظر إلى لون البراز وقوامه وما يجده من روائحه فان وجده مثلا أصفر استدل بأن صفراء قد اندفعت مع البراز فيحضر خاطره أسباب اندفاع الصفراء ويسمع من المريض أو من خدمه ما يقولونه من شكاوى المريض فان وجدهم يذكرون أسبابا للاسهال غير تلك فيقولون مثلا ان الذي أحدث الاسهال أكل أشياء حاره حريفة أو ادمان شرب شراب حرف أو ما شابه ذلك تعلق بما سمعه منهم مع ما وجده من لون البراز وغيره وجعل جميع ذلك مبدأ يبحث منه عن السبب فما بان لحسه لم يسأل عنه وما لم يبن لحواسه سأل عنه بعد ان يستعمل الاستدلال فإن سأل المريض هل هذا الاسهال البحران مثلا ضحك منه وهزئ به فقس على ما ذكرناه واجعله لك أصلا وقانونا تستدل منه وتستخرج علم ما تسائل عنه المريض والصحيح في تعرف حالاتهم وبغير شك ان من كان له ذكاء وفطنة سينتفع بما ذكرناه نفعا عظيما وذلك بما يحثه ويبعثه إلى تعلم طرق الاستدلال ومعرفة أصناف العلامات فيصير بذلك ماهرا بالمساءلة « 329 » للمرضى والتعرف لحالات الأبدان وكثيرا من حالات النفوس فقد اتضح إذا نفع هذا المبدأ الثاني اعني ما يتشكاه وينطق به المريض من شكواه « 330 » وصار هذا المبدأ تابعا للمبدأ الأول المقدم قبله وهو معرفة الطبيب لما تقع عليه حواسه وصارا متقدمين في المرتبة والطبع لما يريد ان يسأل عنه الطبيب للمريض إذ كانت المساءلة للمريض انما تجب بعد ان يشاهد حاله أو يشتكي المريض حالة ما إلى الطبيب فحينئذ يأخذ الطبيب في تعرف تلك الحال ويبدأ بعلمها من جنسها ويقسم أنواع ذلك الجنس بفصوله القاسمة للأنواع والمحدثة لها فيستدل من تلك الفصول والخواص الملازمة للأنواع على صورها وبعد ذلك يأخذ في البحث عن أسبابها وعللها الموجبة لحدوثها ليتم له بذلك إزالتها وحسمها ومساءلة الطبيب للمريض هاهنا يقع الاضطرار إليها في مواضع كثيرة وذلك ان ما لا يدركه حس الطبيب من الأسباب ولا أخبره به المريض ولا نقل اليه خبره من خدم المريض أو غيرهم من المخبرين الثقات فبغير شك انه هو يحتاج ان يسأل عنه المريض أو لمن يخدمه ويقدر على الجواب . ومثال ذلك ان طبيبا
هامش
( 329 ) وردت في الأصل ( بالمسائلة ) والصحيح ما أثبتناه .
( 330 ) وردت في الأصل ( شكلانه ) والصحيح ما أثبتناه .