أقول : ربما توهّم أنّ الجواب في هذا الحديث غير مطابق للسؤال ؛ حيث إنّ السؤال وقع عن فرض ثلاثين على أمّته ، وأكثر على من تقدّمها من الأمم .
ويدفع هذا التوهّم أنّ الجواب يتضمّن تكذيب اليهودي والردّ عليه في ذلك بأنّ الصوم لم يكن إلّا ثلاثين فقط على أمّته وعلى من تقدّمها ، واليهودي أراد اختباره وامتحانه بأنّه هل يوافقه على ذلك أم لا ، مع كون اليهوديّ عالما بما أجابه ظاهرا بسبب تصديقه إيّاه على ذلك ، فقد أجابه عليه السّلام على وجه صدّقه ورضي به ، ولم يكذّبه صريحا ؛ لكرم أخلاقه ، بل نبّهه على أحسن وجه وأتمّه بحيث لم ينفر خاطره من أوّل الأمر . وهذا ظاهر لا غبار عليه .
ونظيره قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام :
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي
« 1 » وقوله تعالى :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
« 2 » ، ومثل هذا يقع كثيرا في مثل هذه المقامات لأجل مماشاة الخصم وجذبه إلى قبول الحقّ والإلزام . وفي حديث الرضا عليه السّلام مع المأمون : « إنّ قول إبراهيم :
هذا رَبِّي
على الإنكار لا الإخبار » « 3 » فلا يكون من هذا الباب .
وفي الحديث دلالة على ما ذهب إليه الصدوق رحمه اللّه من كون شهر رمضان ثلاثين يوما ، والجمع بينه وبين ما تقدّم ممّا دلّ على إمكان النقصان غير خفيّ . . .
[ حديث رؤية الهلال قبل الزوال ]
ومن ذلك ما رواه الشيخ رضي اللّه عنه في الاستبصار بطريقه إلى محمّد بن عيسى ، قال :
كتبت إليه عليه السّلام : جعلت فداك ، ربما غمّ علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال ، وربما رأيناه بعد الزوال ، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا ، كيف تأمر في ذلك ؟ فكتب عليه السّلام : « تتمّ إلى الليل ، فإنّه إن كان تامّا رئي قبل الزوال » . « 4 »
أقول : هذا يحتمل وجهين :
أحدهما - وهو الأظهر باعتبار إضافة الهلال إلى شهر رمضان - : أن يكون المعنى أنّه إذا صام الإنسان ذلك اليوم على أنّه أوّل شهر رمضان أو محتمل لذلك ثمّ رئي الهلال فيه قبل
هامش
( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 77 .
( 2 ) . الزخرف ( 43 ) : 81 .
( 3 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام ، ج 1 ، ص 197 ، الباب 15 : « على الإنكار والاستخبار » .
( 4 ) . الاستبصار ، ج 2 ، ص 73 ، ح 221 .