البيّنة فحكم بذلك وجب الرجوع إلى حكمه كغيره من الأحكام ، والعلم أقوى من البيّنة ، ولأنّ المرجع في الاكتفاء بشهادة العدلين وما تتحقّق به العدالة إلى قوله ، فيكون مقبولا في جميع الموارد . ويحتمل العدم ؛ لإطلاق قوله عليه السّلام : « لا أجيز في رؤية الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين » « 1 »
قوله : « وإذا رئي في البلاد المتقاربة كالكوفة وبغداد ، وجب الصوم على ساكنيها أجمع ، دون المتباعدة كالعراق وخراسان ، بل يلزم حيث رئي » .
المراد أنّه إذا رئي الهلال في إحدى البلاد المتقاربة - وهي التي لم تختلف مطالعها - ولم ير في الباقي وجب الصوم على جميع من في تلك البلاد ، بخلاف المتباعدة ، وهي ما علم اختلاف مطالعها ، فإنّ الصوم يلزم من رأى دون من لم ير .
وحكى العلّامة في التذكرة قولا عن بعض علمائنا بأنّ حكم البلاد كلّها واحد ، فمتى رئي الهلال في بلد وحكم بأنّه أوّل الشهر كان ذلك الحكم ماضيا في جميع أقطار الأرض ، سواء تباعدت البلاد أو تقاربت ، اختلفت مطالعها أو لا « 2 » . وإلى هذا القول ذهب العلّامة في المنتهى في أوّل كلامه ، فإنّه قال : . . .
هذا كلامه رحمه اللّه « 3 » وهو جيّد .
ولا ينافي ذلك الروايات المتضمّنة لوجوب القضاء لوفات وقامت البيّنة بالرؤية ؛ لأنّها غير صريحة في التعميم على وجه يتناول البلاد المختلفة المطالع .
قال المحقّق الشيخ فخر الدين في شرح القواعد :
ومبنى هذه المسألة على أنّ الأرض هل هي كرويّة أو مسطّحة ؟ الأقرب الأوّل ؛ لأنّ الكواكب تطلع في المساكن الشرقيّة قبل طلوعها في المساكن الغربيّة . . . « 4 »
ويتفرّع على اختلاف الحكم مع التباعد أنّ المكلّف بالصوم لو رأى الهلال في بلد وسافر إلى آخر يخالفه في حكمه انتقل حكمه إليه ، فلو رأى الهلال في بلد ليلة الجمعة مثلا ثمّ سافر إلى بلد بعيدة شرقية قد رئي فيها ليلة السبت ، أو بالعكس ، صام في الأوّل أحدا وثلاثين ، ويفطر في الثاني على ثمانية وعشرين .
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 76 ، باب الأهلّة والشهادة عليها ، ح 2 .
( 2 ) . تذكرة الفقهاء ، ج 6 ، ص 123 ، المسألة 76 .
( 3 ) . منتهى المطلب ، ج 2 ، ص 592 ، الطبعة الحجرية . ونقلنا كلامه بكامله فيما سبق من هذا القسم .
( 4 ) . إيضاح الفوائد ، ج 1 ، ص 252 .