من تتابع ثلاثة شهور ناقصة وتوالي ثلاثة أخرى تامّة ؟ وكيف يوافق مع ذلك أوّل يوم من شهر رمضان ليوم العاشر من ذي الحجّة أبدا من غير اختلاف ؟
فهل يصحّ هذا إلّا من طريق أصحاب العدد ؛ لقولهم بتمام شهر رمضان ونقصان شوال ، وإنّ شهر ذي القعدة تامّ كشهر رمضان ، فيكون يوم الصوم أبدا موافقا ليوم النحر على اتّساق ونظام .
فما تصنعون في هذا الخبر مع اشتهاره ؟ أتقبلونه وإن خالف ما أنتم عليه في أصل الاعتقاد ؟ أو تلتجئون فيه إلى الدفع والإنكار .
يقال له : أمّا هذا الخبر فغير وارد مورد الحجّة ؛ لأنّه خبر غير مقطوع عليه ولا معلوم ، وقد بيّنّا أنّ أخبار الآحاد لا يجب العمل بها في الشريعة ، ومن اعتمد عليها - وهي على هذه الصفة - فقد عوّل على سراب بقيعة . وليس يجب علينا أن نتأوّل خبرا لا نقطع به ولا نعلم صحّته .
وقد يجوز على سبيل التسهيل ما عوّل عليه بعض أصحابنا في تأويل هذا الخبر - وإن لم يكن ذلك واجبا - أنّ المراد به سنة بعينها اتّفق فيها أنّ أوّل الصوم كان موافقا للنحر ، فحمل على الخصوص دون العموم ؛ لأنّه لا يصحّ فيه العموم ، والشهادة الاستقراء بخلافه .
ويمكن أيضا في تأويل الخبر وجه آخر ، وهو : أن يكون المراد به أنّ يوم الصوم يجري في وجوب الأحكام المشروعة ولزومها مجرى يوم النحر في الأحكام المتعلّقة به ، والمراد بذلك تحقيق المماثلة والمساواة ، كما يقول القائل : صلاتكم مثل صومكم ، أو يقول : صلاة العصر هي صلاة الغداة . وما يريد الأعمّ ، ويريد المماثلة والمساواة في الأحكام ، وهذا بيّن .
[ مناقشة الخصم في آية الأهلّة والجواب عنها ]
ثمّ قال صاحب الكتاب :
مسألة أخرى لهم وجوابها .
ثمّ قال :
وسألوا عن قول الله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
« 1 » .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 189 .