وجعل القمر نورا في الليل يبدد الظلمات ، وقدّر مسيره في فلكه منازل أو ذا منازل ، ينزل كلّ ليلة في واحد منها ، وهي ثمانية وعشرون منزلا معروفة لدى العرب ، يرى القمر فيها بالأبصار ، كقوله تعالى :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ
« 1 » .
وتخصيص القمر بذكر منازله ، إذا جعل الضمير عائدا إليه وحده لسرعة سيره ، ومعاينة منازله وإناطة أحكام الشرع به ، ولذلك علّله بقوله :
لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
أي :
يعرف فيه حساب الأوقات من الشهور والأيّام والليالي ، والفصول الأربعة ، والحساب مطلوب لضبط أوقات العبادة من صلاة وصيام وحجّ وزكاة ومعاملات وعقود .
وإذا كان تقدير المنازل لكلّ من الشمس والقمر ، فيعرف بهما حساب الأوقات ، فبالشمس تعرف الأيّام ، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام . وقد حثّ الشرع على الانتفاع بالحساب الشمسي في نحو قوله تعالى :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
« 2 » وقوله :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
وفي كلّ من الحساب الشمسي والقمري فوائد ، فالحساب الشمسي ثابت ، والحساب القمري أسهل على البدوي والحضري ، فأنيطت به الأحكام الشرعيّة .
ما خلق الله ذلك المذكور من الشمس والقمر إلّا خلقا متلبّسا بالحقّ الذي هو الحكمة البالغة ، ولم يخلقه عبثا ، بل له حكمة عظيمة في ذلك ، وحجّة بالغة ، كقوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
« 3 » وقوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
« 4 » .
يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
أي يبيّن الله الآيات الكونيّة الدالّة على عظمته وقدرته ، والآيات القرآنيّة لقوم يعلمون طرق الدلالة على الخالق ومنافع الحياة ، ويميّزون بين الحقّ والباطل .
إنّ في اختلاف الليل والنهار أي في تعاقبهما ، إذا جاء هذا ذهب هذا ، وإذا ذهب هذا جاء هذا ، لا يتأخّر عنه شيئا ، وفي طولهما وقصرهما بحسب اختلاف مواقع الأرض من الشمس ، ومالهما
هامش
( 1 ) . يس ( 36 ) : 39 .
( 2 ) . الرحمن ( 55 ) : 5 .
( 3 ) . ص ( 38 ) : 27 .
( 4 ) . المؤمنون ( 23 ) : 115 .