كانا سواء في النور والضوء ، فأرسل الله جبرئيل ( عليه الصلاة والسلام ) فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء . ومعنى المحو في اللغة : إذهاب الأثر ، تقول : محوته أمحوه وانمحى وامتحى إذا ذهب أثره .
وأقول : حمل المحو في هذه الآية على الوجه الأوّل أولى ؛ وذلك لأنّ « اللام » في قوله :
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
متعلّق بما هو مذكور قبل ، وهو محو آية الليل . وجعل آية النهار مبصرة ومحو آية الليل إنّما يؤثّر في ابتغاء فضل الله إذا حملنا المحو على زيادة نور القمر ونقصانه ؛ لأنّ سبب حصول هذه الحالة يختلف بأحوال نور القمر ، وأهل التجارب بيّنوا أنّ اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذه العالم ومصالحه ، مثل أحوال البحار في المدّ والجزر ، ومثل أحوال التجربات على ما تذكره الأطبّاء في كتبهم ، وأيضا بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور ، وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنيّة على رؤية الأهلّة ، كما قال :
وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
فثبت أنّ حمل المحو على ما ذكرناه أولى .
. . . ثمّ قال تعالى :
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
أي لتبصروا كيف تتصرّفون في أعمالكم
وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
.
واعلم أنّ الحساب مبنيّ على أربع مراتب : الساعات والأيّام والشهور والسنون ، فالعدد للسنين ، والحساب لما دون السنين ، وهي الشهور والأيّام والساعات ، وبعد هذه المراتب الأربع لا يحصل إلّا التكرار ، كما أنّهم رتّبوا العدد على أربع مراتب : الآحاد والعشرات والمئات والألوف ، وليس بعدها إلّا التكرار . والله أعلم . « 1 »
2 . غرائب القرآن ، للنيسابوري ( م بعد 728 ) :
وَلِتَعْلَمُوا
باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه
عَدَدَ السِّنِينَ
الشمسيّة أو القمريّة المركّبة من الشهور
وَ
لتعلموا جنس
الْحِسابَ
المبنيّ على الساعات والأيّام والشهور والسنين والأدوار « 2 » .
هامش
( 1 ) . التفسير الكبير ، ج 7 ، ص 306 - 307 .
( 2 ) . غرائب القرآن ، ج 4 ، ص 329 .