يكون المعنى وقدّره ذا منازل .
المسألة السابعة : الضمير في قوله :
وَقَدَّرَهُ
فيه وجهان : الأوّل : أنّه لهما ، وإنّما وحّد الضمير للإيجاز ، وإلّا فهو في معنى التثنية ؛ اكتفاء بالمعلوم ؛ لأنّ عدد السنين والحساب إنّما يعرف بسير الشمس والقمر ، ونظيره قوله تعالى :
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
« 1 » والثاني :
أن يكون هذا الضمير راجعا إلى القمر وحده ؛ لأنّ بسير القمر تعرف الشهور ؛ وذلك لأنّ الشهور المعتبرة في الشريعة مبنيّة على رؤية الأهلّة ، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمريّة ، كما قال تعالى :
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ
. . . « 2 » .
المسألة الثانية : في قوله :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ
قولان :
القول الأوّل : أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار . والمعنى أنّه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا . أمّا في الدين ؛ فلأنّ كلّ واحد منهما مضادّ للآخر مغاير له ، مع كونهما متعاقبين على الدوام من أقوى الدلائل على أنّهما غير موجودين لذاتهما ، بل لا بدّ لهما من فاعل يدبّرهما ويقدّرهما بالمقادير المخصوصة ، وأمّا في الدنيا ؛ فلأنّ مصالح الدنيا لا تتمّ إلّا بالليل والنهار ، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة ، ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرّف في وجوه المعاش .
ثمّ قال تعالى :
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
وعلى هذا القول تكون الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين ، والتقدير : فمحونا الآية التي هي الليل ، وجعلنا الآية التي هي نفس النهار مبصرة ، ونظيره قولنا : نفس الشيء وذاته ، فكذلك آية الليل هي نفس الليل . ويقال أيضا : دخلت بلاد خراسان . أي دخلت البلاد التي هي خراسان ، فكذلك هاهنا .
القول الثاني : أن يكون المراد وجعلنا نيّري الليل والنهار آيتين ، يريد الشمس والقمر ، فمحونا آية الليل وهي القمر .
وفي تفسير محو القمر قولان : القول الأوّل : المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور ، فيبدو في أوّل الأمر في صورة الهلال ، ثمّ لا يزال يتزايد نوره حتّى يصير بدرا كاملا ، ثمّ يأخذ في الانتقاص قليلا قليلا ، وذلك هو المحو ، إلى أن يعود إلى المحاق .
والقول الثاني : المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه ، يروى أنّ الشمس والقمر
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 62 .
( 2 ) . التفسير الكبير ، ج 6 ، ص 209 .