« إذا أتاكم عنّا حديثان مختلفان فخذوا بما وافق منهما القرآن ، فإن لم تجدوا لهما شاهداً من القرآن فخذوا بالمجمع عليه ؛ فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ، فإن كان فيه اختلاف وتساوت الأحاديث فيه فخذوا بأبعدهما من قول العامّة » « 1 » .
فالحديث يحدّد ثلاثة مرجّحات على نحو البدلية ، وهي :
1 - الموافقة للكتاب . 2 - الموافقة للمجمع عليه . 3 - المخالفة للعامّة . والمرجّحان الأوّلان صادقان على أحاديث القول الصحيح ؛ لموافقتها للقرآن كما تقدّم ، وكونها من المجمع عليه عند الطائفة ، ومخالفة القول بالعدد للقرآن .
قال الشيخ المفيد : « والحديث في العدد يخالف القرآن ، فلا يقاس بحديث الرؤية الموافق للقرآن ، وحديث الرؤية قد أجمعت الطائفة على العمل به ، فلا نسبة بينه وبين حديث يذهب إليه الشذّاذ ، وهو الموافق لمذهب أهل البدع من الشيعة والغلاة » « 2 » .
إنّ هذه النمطية من الممارسة الاجتهادية على صعيد فرع فقهي واحد وبهذا المستوى من العمق والتعاطي مع أدوات البحث العلمي ومراعاة المنهج العلمي ، أمرٌ لم تألفه الكتابات والمدوّنات الفقهيّة آنذاك ، فلا يشعر الإنسان وهو يقرأ بحثاً محرّراً على يد الشيخ المفيد فرقاً شاسعاً بينه وبين نتاج فقيه معاصر إلا من حيث بعض الجهات الصياغية والبيانية ، الأمر الذي يُعدّ نقلة نوعية تجديدية لنمط التحريرات الفقهية المتداولة آنذاك .
إنّ النموذج السالف يقدّم معالجة فقهية شاملة وجامعة لأدوات البحث العلمي المتقن ، وهو شاهد آخر على براعة هذا الفقيه ودوره التأسيسي لمرحلة الفقه التفريعي الاجتهادي ، والذي قد يندر ملاحظته حتّى في سائر مؤلفات الشيخ المفيد ومدرسته العريقة .
خصائص البحث الفقهي عند الشيخ المفيد
تميّز النشاط الفقهي لدى الشيخ المفيد بجملة من المزايا التي يرجع بعضها
هامش
( 1 ) - المصدر السابق .
( 2 ) - المصدر السابق .