تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه ومسائل طبية — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
ولقد وقع الحسّ العامّ في بعض المجتمعات في الخلط بين ما هو حاجة وما هو منفعة وما هو رغبة ، وجميعها تنهل من الوعاء الصحّي العامّ ، فهي عبء على الموارد ، وكلّها هامّة عند أصحابها في الأمم التي تكرس الفرديّة ، وتجعل كلّ رغبة سانحة حقّا من حقوق الإنسان ، فالمريض بالمستشفى ينتظر قلبا أو كبدا لزراعته ، والفتاة التي تريد أن تكبّر ثدييها أو تصغّرهما ، والبدينة التي تقصد شفط الشحم من حول جسمها كلّ منهم يبصر حالته على انفراد ، فيراها أهمّ شيء في الحياة . وهناك وجه آخر مؤسف ، وهو أنّ شحّ الموارد في بعض الدول هو في الواقع من صنع الدولة ، فبريطانيا التي تضنّ حكومتها بغسيل الكلى على من جاوز الخامسة والخمسين ، نجد فيها أنّ مساحة الخدمات الصحّيّة لا تتجاوز سبعة بالمائة من مجموع الناتج القومي العامّ . والظاهر أنّ في كثير من الدول لم تتبوّأ الرعاية الصحّيّة المكانة الرفيعة التي تستحقّها على سلم الأولويات العامّ ، مع أنّ رعاية الصحّة والتحرّر من المرض من أوائل حقوق الإنسان ، وهي في الحقيقة مغلوبة على أمرها في المنافسة إزاء اعتبارات أخرى ، كالإنفاق العسكري والإنفاق البوليسي والإنفاق الدعائي ، بل الإنفاق على صنوف المتعة والترفّ واللذّة ولو كانت حراما ، وأحرى بنا قبل أن نعيب على الآخرين أن ننظر في بلادنا العربيّة والإسلامية . « 1 » وتزيد بعض الدول الطين بلّة ؛ إذ تترك الباب مفتوحا أمام مسبّبات الأمراض ، ثمّ تشكو لاحقا من قلّة الموارد . ولقد أسرفت دول في استعمال المبيدات الحشريّة في رقعتها الزراعيّة ، أو في معالجة أنهارها بالسموم التي تقتل الطفيليات النباتيّة ، أو في السماح لخوالف الصناعة بتسميم البيئة برّا وجوا وبحرا ، عالمة ودارية بحكم الواقع الملموس أنّ ذلك يصبّ في الإنسان ، فيحدث طوفانا من الفشل الكلوي والسرطان ومرض الكبد والتشوّهات الخلقيّة في المواليد ، ونشكو ضيق الموارد ، ونفرّط في قيمة الإنسان ونعمي أنّ الوقاية خير من العلاج . عندما بدأت أمريكا حملتها ضدّ التدخين في أمريكا ، تداعت شركات السجائر إلى وضع استراتيجيّة الترويج في أمم العالم الثالث تحسبها أمم المغفلين ، ويؤمن على ذلك الكثير منّا ،
هامش
( 1 ) . مرحبا بالكاتب الناقد البصير فيما ذكره ، وفيما يذكره في بقيّة كلامه .