ويقابل هذا الفريق من العلماء فقهاء آخرون أدركوا ما يحصل من آثار سيّئة لمتناولي هذه العقاقير . وقالوا إنّ التخدير الذي يلحق بسببها بالأطراف والحواس لهو أكثر شرّا وأعظم خطرا من الخمر . ومن بين هؤلاء الفقهاء ابن حجر والنووي .
وتناول المخدّرات ، كالحشيشة والأفيون ونحوها عن طريق المضغ أو التدخين ينتج عنه تغييب العقل . وقد يؤدّي إلى الإدمان ويسبّب تدهورا في عقلية المدمن وصحته .
ذكر ابن تيميّة الإجماع على تحريمه .
وقالت جماعة بتحريم كلّ ما يخدّر من الأشياء الجامدة أو غيرها المضرّة بالعقل أو غيره من أعضاء الجسد ، دون ما يؤخذ منها من أجل التداوي لأنّ حرمتها ليست لعينها بل لضررها .
وذهب أبو بكر بن إبراهيم الحرازي الشافعي إلى تحريم القات ، وبمثل قوله في تحريمه صرح حمزة الناشري مستدلّا على ما ذهب إليه بحديث أمّ سلمة رضي اللّه عنها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله نهى عن أكل كل مسكر ومفتر . رواه أحمد وأبو داود في سننهما بسند صحيح .
ومن الأحكام المتعلّقة بالتخدير حرمة تعاطيه إلّا أن يكون ذلك بقصد التداوي . وفي هذه الحال لا تصحّ تصرّفات المخدّر عند الجمهور . فإن كان بغير غرض التداوي اختلف الفقهاء فيما يصحّ من تصرّفاته وما لا يصحّ .
فذهب الحنفيّة إلى أن تصرّفات متناول المخدّرات صحيحة لأنّ استعماله للمخدّر للهو معصية . واستثنوا من هذا الحكم ما يقع منه من ردّة ، أو إقرار بالحدود ، ومن الإشهاد على شهادة نفسه . ومحلّ ذلك إذا اختلط ، وإلّا فهو كالصاحي يصحّ كفره وطلاقه وخلعه . ولما فشا من أمر الحشيشة والسكر بها ، نبّه ابن عابدين إلى أن مشايخ الحنفية والشافعية عادوا إلى تحريمها وأفتوا بوقوع الطلاق من متناولها .
وقالت الحنفيّة إذا كان ذهاب عقل المخدّر بالبنج والأفيون لغرض التداوي ، وهو يعلم أنّ التداوي بهما على سبيل الجواز لا الضرورة ، فإنّ الطلاق يقع منه زجرا وعليه الفتوى .
وقالت المالكية بصحّة طلاقه . وتلزمه الحدود في الجنايات على النفس والمال . وعلى المشهور لا تصحّ منه وتلزمه العقود من بيع وشراء وإجارة ونكاح وإقرارات .
وذهب الحنابلة إلى أنّ تناول البنج ونحوه لغير حاجة ، إذا زال العقل به ، فكالمجنون لا يقع طلاق متناولة .
الفقه ومسائل طبية — صفحة 78
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٧٨