وذكرنا اثنين منه يعطي أنّ نظر جميع هذه الأحاديث إلى الحظر عن بيع الشيء قبل أن يملكه ، وهو محذور خاصّ بمورد السؤال .
فأمّا ما نحن فيه الذي كان المفروض فيه عدم تحقّق إنشاء منهما إلّا على القرار الجازم بالاقدام بالصنع والعرض للبيع من طرف والإقدام بالاشتراء من الطرف الآخر ، فهو عقد آخر ليس مقتضاه سوى مجرّد العمل بالعقد - أعني الإقدام على البيع والاشتراء بعد ما صنعه الصانع - فليس هنا أيضا بيع الشيء قبل أن يملكه ولا أيّ محذور آخر .
فعموم
« أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »
محكّم ، والعمل به لازم ، واللَّه العالم .
هذا كلّه في الصورة الثانية .
( وأمّا صورته الثالثة ) فهو أن لا يكون بينهما أزيد من مجرّد مواعدة على البيع والاشتراء
مواعدة غير مؤكّدة بل مشوبة بعدم الاطمئنان بأن يقول المستصنع :
اصنع لي هذا الشيء أو الأشياء لعلّي أشتريه منك ، أو يقول الصانع : إني أصنع هذه الأشياء لعلّك تشتريها مني ، وأمثال ذلك .
ولا ريب أن القرار المنعقد بينهما ليس أزيد من مواعدة غير مشوبة قد نصّ فيها بعدم الجزم على العمل ، ولا دليل شرعي يوجب التعبّد بأكثر ممّا توافقا عليه ، ولا تؤثّر هذه المواعدة في حقّ واحد منهما إلزاما ، فإن شاء صنع وعرضه للبيع وإن شاء لم يصنع أو لم يعرض ، والمستصنع إن شاء اشتراه بعد الصنع وإن شاء فلا .
خلاصة البحث
إنّ الاستصناع أن يجيء طالب إلى صاحب صنعة فيطلب منه أن يصنع له عددا ممّا يصنعه ، فيقع بينهما عقد وقرار على ذلك . والاستصناع بيع عند أبي حنيفة ، وهو الظاهر من كلمات بعض آخر .