والأولى أن يقال ، أساس البحث هنا أنّ الاصالة والفضوليّة ، ليس من عناوين القصد ، بل هو أمر واقعي يدور مدار صدور العقد عن مالكه وعدمه ؛ وكذلك لم يؤخذ في موضوعها العلم والجهل ؛ فالوكيل الواقعي عقده نافذ ، علم أم لم يعلم ، وقصد الوكالة أم لم يقصد ؛ ولذا قلنا في محله ، أن قول الوكيل في عقد النكاح : زوجت نفس موكلتي الخ ؛ مجرّد احتياط وليس بواجب ؛ فلو قال : زوجت هذه المرأة هذا الرجل ؛ وكان وكيلا في الواقع عنها أو عنه كفى ، حتى وإن نسي الوكالة أو جهل بها .
وكذلك الأصالة ، أمر واقعي ينشأ من كون الإنشاء صادرا عن مالك العقد ، ولا يعتبر فيه العلم أو القصد .
فعمدة الدليل على المقصود هو ما ذكرناه .
ويمكن بيان ذلك بتعبير آخر ، وهو أنّ عمومات
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
( في ناحية عقد الأصيل ) ، وعمومات صحة الفضولي ( في ناحية عقد الفضولي ) ، وكذا الاطلاقات ، دليل على المطلوب لعدم اعتبار العلم أو القصد فيها ، وعلى مدعيه الإثبات ، ولا دليل عليه .
وأمّا دلالة صحيحة محمد بن قيس ( 1 / 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء ) عليه ، - كنصّ خاص في المسألة - بعيد جدّا ، لأنّ عدم صحة بيع غير المالك واضح على كل أحد ؛ والظاهر أنّ بيع الابن كان كبيع الغاصب العالم بالغصب ؛ ولا أقل من الشك في دلالته .
نعم ، هنا إشكال قد يبدو إلى الذهن في مورد الجهل بالأصالة ؛ وحاصله أنّ العاقد إذا تخيّل أنّه فضولي وليس أصيلا ، قد يقنع بمطالعة يسيرة ، نظرا إلى أنّ المجال لمالك العقد واسع للنظر في أمر العقد ؛ ولو علم أنّه نفسه مالك العقد ، لم يقدم على العقد إلّا بعد النظر العميق والاستشارة وغير ذلك ؛ فكيف يمكن أن يقال بانّ عقده صحيح .
إن قلت : إن كان وكيلا ، لا يصح عقده من ناحية فقد المصلحة ؛ وهذا أمر آخر .
قلنا : أولا ، قد يكون وكيلا تام الاختيار . وثانيا ، قد يكون مالكا واقعا ولا يعلم به .
فالانصاف ، أنّ صحة العقد في هذه الصورة مشكل جدّا . والله العالم .
* * *