أحدهما : ما إذا كان الوقوف على واقع الامر سهلا جدا بحيث كان علمه ببابه أو في كمه وكيسه ، كما إذا شك في مقدار دينه بزيد مثلا وتردد امره بين الأقل والأكثر ، أو في أصل الدين وكان ذلك مكتوبا في دفتره يطلع عليه بسهولة ، فان الفحص هنا واجب لانصراف اطلاقات البراءة عن مثله ، وعدم شمول الاجماع له ، وكون بناء العقلاء على الفحص في مثله .
ثانيهما : ما كان طبيعة الامر فيه عدم الوصول إلى الواقع عادة بغير الفحص ، مثل مسألة الاستطاعة ، وربح المكسب ، ومقدار النصاب ، ومقدار الزكات الواجب عليه ، فان هذه الأمور لا تعلم غالبا بغير فحص ، وبناء العقلاء فيها على الفحص ، فلا يجوز الرجوع إلى الاطلاقات لانصرافها منه ولا يقدر أحد على ترك الفحص .
وان شئت قلت : عمدة الدليل على البراءة في الموضوعات قبل الفحص هو الاخذ ببناء العقلاء وما سواه امضاء له ، ومن المعلوم عدم استقرار بنائهم عليه فيما نحن فيه .
وقد يقال : ان الوجه في وجوب الفحص في المقام هو العلم الإجمالي بالوقوع في مخالفة الواقع كثيرا ( أو في الجملة ) وهو مانع عن الاخذ بالبراءة ولو كان ذلك تدريجا ، لما ذكر في محله من كون العلم الإجمالي منجزا ولو في الأمور التدريجية .
وهذا الاستدلال جيد في نفسه ولكن الانصاف ان وجوب الفحص لا ينحصر بموارد العلم الإجمالي ، كمن شك في الاستطاعة ولو مرة في تمام عمره ولم يكن له شيء آخر يحتاج إلى الفحص ، فان الواجب عليه أيضا الفحص وليس الدليل عليه الا ما ذكرنا .
فالأحوط لولا الأقوى وجوب الفحص في المقام ونظائره واشباهه ، ولو قلنا بعدم وجوبه فالمرجع هو استصحاب عدم بلوغ النصاب إذا اخرج المعدن
أنوار الفقاهة ( كتاب الخمس والأنفال ) — صفحة 137
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٣٧