فلم يبق إلّا رواية البزنطي الدالّة على جواز الاستصباح بما يقطع من أليات الغنم ، ومن المعلوم أنّها لا تقاوم ما دلّ على الحرمة من جهات شتّى :
أوّلا : فلأنّها معرض عنها ، فليست بحجّة في نفسها .
وثانيا : إنّ أدلّة الحرمة أشهر رواية وفتوى ، وإن أبيت إلّا عن حجيّتها وإمكان الأخذ بها ، فلا أقل من أنّها أخصّ منها ، فتخصّص بها ، فلا يبقى مجال لنا في غير موردها ، ولنعم ما قاله ابن إدريس بعد إيراد خبر البزنطي : « إنّه لا يلتفت إلى هذا الحديث فانّه من نوادر الأخبار ، والإجماع منعقد على تحريم الميتة والتصرّف فيها بكلّ حال إلّا أكلها للمضطرّ » « 1 » .
وقد يتوهّم إمكان الجمع بينهما بطرق أخرى :
1 - الجمع بالحمل على الكراهة كما يظهر من بعض أعاظم العصر « 2 » . وفيه إنّ هذا الجمع وإن كان معمولا بينهم في الفقه بين دليل المنع ودليل الترخيص ، إلّا أنّ لسان دليل المنع هنا يأبى عنه ، للاستنكار الشديد الوارد في قضية سودة بنت زمعة ، ولو كان ذلك جائزا لما أنكره عليهم كذلك ، ويؤيّده إعراض الأصحاب عن هذا الجمع هنا مع قولهم به في غير المقام .
2 - حمل الروايات على صورة التلويث ، وأنت خبير بأنّ التلويث في جميع موارده قهري ، مضافا إلى أنّه ليس أمرا محرّما ، وقد صرّح في رواية أبي القاسم الصيقل بالتلويث .
3 - حمل روايات المجوّزة على التقيّة .
وفيه أنّك عرفت ذهاب مشهور علماء العامّة إلى الحرمة .
4 - حمل الأخبار المجوّزة على ما لا تحلّه الحياة كالأصواف والإنفحة وغيرها .
وفيه إنّه مخالف لصريح بعض الأخبار المجوّزة كما عرفت ، للتصريح فيها بالجلود والأليات .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى حكم بيعها ، ومن الواضح أنّ الانتفاع بها إذا كان حراما ( كما
هامش
( 1 ) . الحدائق الناضرة ، ج 18 ، ص 79 .
( 2 ) . مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 69 .