الأحاديث مشكل ، ولكانت المسألة على إجمالها معلومة .
الثاني : إنّ ذلك لم يكن تفويضا كليا إليه صلّى اللّه عليه وآله وممّا يدلّ على أنّه لم يكن المفوض إليه ، تشريعا كليا ، أنّه كثيرا ما كان ينتظر الوحي في جواب الأسئلة عن الأحكام وشبهها ، حتى ينزل في القرآن الكريم ، بل ذكر هذه الأمور المفوّض إليه بالخصوص ، وعدّها في الروايات دليل على أنّ الأصل الكلي في التشريع كان من قبل اللّه تعالى ، وإنّما أذن لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله التشريع الجزئي لما كان فيه من المصلحة .
الثالث : هذه الكرامة والمقام الخاص كان باذن اللّه تعالى وأجازته أولا ، وفي النهاية أيضا كان بامضائه ، فلا ينافي ذلك توحيد الحكم والتشريع الإلهي ، ولا يكون دليلا على تعدد الشارع ، بل الشارع هو اللّه تعالى وحده وتشريع النبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله في هذه الموارد إنّما هو باذنه من قبل وأجازته من بعد ، لبعض المصالح التي عرفتها .
الرابع : إنّما ثبت هذا المقام للنبي صلّى اللّه عليه وآله بعد ما كان مسددا من عند اللّه سبحانه ومؤيدا بروح القدس ، فلا يزيغ ولا يخطئ ، فمن ليس كذلك لم يثبت ذلك في حقّه قطعا .
الخامس : الأئمّة المعصومون عليهم السّلام وإن كانوا مؤيدين بروح القدس ، ولا يصدر منهم خطأ ولا زلة ، ولكن لما كمل الدين وتمّت النعمة بنزول الأحكام والمعارف الإلهية كلها ، وما تحتاج إلى الامّة إلى يوم القيامة حتى أرش الخدش ، لم يبق مجال لتشريع حكم من الأحكام من ناحيتهم ، وما قد يوهم خلاف ذلك من أمير المؤمنين عليه السّلام في جعل الزكاة على الخيل ، وجعل بعض الخمس من أبي جعفر الجواد عليه السّلام كان من الأحكام الإجرائية الولائية المؤقتة كما سنتكلم عليه إن شاء اللّه تعالى بعد تمام هذا المقال ، فما ورد في بعض الروايات من تفويض كل ما فوّض إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إليهم مثل ما ذكره في البصائر عن إسماعيل بن عبد العزيز قال : قال لي جعفر بن محمد عليه السّلام : « إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يفوّض إليه ، إنّ اللّه تبارك وتعالى فوّض إلى سليمان ملكه فقال :
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
وأنّ اللّه فوّض إلى محمد نبيّه صلّى اللّه عليه وآله فقال :
ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
» الحديث « 1 » ناظر إلى غير هذا من المعاني التي مرّ ذكرها للتفويض ، من قبيل تفويض أمر
هامش
( 1 ) . بصائر الدرجات ، الباب 4 من الجزء الثامن ، باب التفويض إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ح 9 ، ص 380 .