بل لو قلنا بجواز الحكم بالآراء وتشريع الشرائع بعقول الرجال لاستغنينا عن الكتب المساوية والشرائع الإلهية ، ولم نحتج إليها ، ولم يقل بهذا أحد ، بل لا يتفوه به فاضل ، فضلا عن فقيه عالم ، ومن جميع ذلك يعلم أنّه لا معنى لتفويض أمر التشريع إلى الفقيه ، بل وظيفته بما هو فقيه إجراء أحكام الشرع ، والتوسل إلى أسباب مشروعة للوصول إليها ، ولا دليل على أزيد من ذلك قطعا .
وقد تحصل ممّا ذكرنا أمور هامة :
1 - لا معنى للتشريع وجعل القانون فيما ورد فيه نص في التشريع الإسلامية ، بل لم يقل به أحد .
2 - التشريع فيما لا نص فيه مختص بالعامة ، وأمّا أصحابنا الإمامية فهم معتقدون بعدم وجود الفراغ في التشريع ، حتى يتصدى له الفقيه أو غيره ، بل جميع ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة مبينة في الأحكام الجزئية أو القواعد الكلية ، والأصول الواردة في الكتاب والسنة ، ووظيفة الفقيه استنباطها عن أدلتها ، وعند عدم وصوله إلى الأحكام الواقعية يعمل بالأحكام الظاهرية المقررة للجاهل ، ولولا ذلك كانت الشريعة ناقصة ومحتاجة في تكميلها إلى عقول الرجال ، معاذ اللّه عن ذلك .
3 - تقنين القوانين وتشريع الأحكام لا يليق إلّا باللّه ، فانّه العالم بالمصالح والمفاسد وما يحتاج إليه خلقه في الحال والمستقبل دون غيره ممن لا إحاطة له بمصالح الأمور ومفاسدها نعم التقنين بمعنى تطبيق الأحكام على مصاديقها ممّا لا إشكال فيه .
4 - المعصوم عليه السّلام لا يشرّع شيئا من الأحكام لعدم خلو واقعة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن الحكم ، فهو حافظ للشريعة ومنفذ لها ، وكون الفقيه كذلك معلوم بالأولوية القطعية .
هذا ما هو المستفاد من الأدلة السابقة النقلية والعقلية .
ويبقى هنا سؤال عن أخبار التفويض ونعقد له عنوانا مستقلا ونقول :