إلّا من قبل نفسه ، وإن شئت قلت : الموجب يبني العقد من قبل نفسه فقط ، ثم يتبعه القابل ، فيتمّ أمر العقد المتوقف على الطرفين ، فليس فعل القابل مثل « شكر اللّه سعيك » الذي يقال بعد تمام العمل .
إلّا أنّ القابل لما كان يعطف عهده إلى عهده ، وإنشاءه إلى إنشائه ، فلا يحتاج إلى ذكر إنشاء العقد بجميع خصوصياته ، وإلّا فلا فرق في الواقع بين فعلهما ، وإن افترقا في اللفظ والظاهر ، وكان أحدهما كالفاعل والآخر كالقابل .
والحاصل : إنّ كلّا منهما « مملك » و « متملك » وطرف للمعاقدة والمعاهدة ، لا ينقص أحدهما عن الآخر شيئا ، لأنّه مقتضى معنى المعاهدة والمعاقدة ، لأنّه أمر بين اثنين كل واحد منهما طرف له من دون أي تفاوت من هذه الجهة .
نعم ، في مقام البيان وشرح هذا المعنى ، فالقابل يعطف إنشاءه على إنشاء البائع من غير حاجة إلى بيان أكثر ، فيقول : قبلت هذا العقد ، أو قبلت هكذا ، أو قبلت ، مجرّدا عن كل شيء .
ومن هنا يظهر النظر في جميع الوجوه الثلاثة المذكورة وعدم تمامية شيء منها .
هذا كله على فرض القول بوجوب تركب العقد من الإيجاب والقبول وكون الثاني كالمطاوع لفعل الأول ، ولكنه بعد محل إشكال بل منع ، لإمكان تركّبه من إنشاءين متشابهين ، سواء سمّيته إيجابين أم لا ، بأن يقول كل منهما : ملكتك ملكي هذا بإزاء ملكك ، أو جعلت هذا المال بإزاء هذا المال ، أو قالا : قبلنا المبادلة بين المالين .
والسرّ في ذلك كلّه ما عرفت من أنّ حقيقة العقد معاهدة بين الطرفين لا يفترق أحدهما من الآخر من هذه الجهة - وتفاوت البائع والمشتري من بعض الجهات لا دخل له بأصل العقد - ولا يلزم أن يكون إنشاء أحدهما بلفظ القبول دائما حتى يشبه المطاوعة ، بل للثاني أن ينشئ بلفظ القبول ويعطف إنشاءه على إنشاء الأول ، أو ينشئ بلفظ آخر ويذكر فيه جميع خصوصيات العقد ، فيقول الأول : ملكتك مالي هذا بإزاء مالك ، ويقول الثاني : أنا أيضا ملكتك مالي هذا بإزاء مالك ، فتدبّر فإنه حقيق به .
وبهذا تنحل عقدة الإشكال في إنشاء النكاح بقول الزوج « أتزوجك على كتاب اللّه
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع ) — صفحة 115
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١١٥