واحتجّ الشافعي بقوله تعالى :
( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ )
« 1 » أخبر عن إحلال النكاح والمحلّل والمباح من الأسماء المترادفة ، ولأنّه قال
( وَأُحِلَّ لَكُمْ )
ولفظ لكم يستعمل في المباحات ، ولأنّ النكاح سبب يتوصّل به إلى قضاء الشهوة ، فيكون مباحاً كشراء الجارية للتسرّي بها ، وهذا لأنّ قضاء الشهوة ايصال النفع إلى نفسه ، وليس يجب على الإنسان إيصال النفع إلى نفسه ، بل هو مباح في الأصل كالأكل والشرب « 2 » .
وفيه ما لا يخفى على المتأمِّل ؛ لأنّ هذه الجملة من الآية عطف على ما قبلها ، التي وردت في بيان حرمة النكاح مع بعض النساء بقوله :
( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ
. . .
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ . . . )
« 3 » فكأنّه قال اللَّه تعالى : أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا « 4 » . وهذا البيان لا ينافي استحبابه في نفسه ، ومع قطع النظر عن اللواحق المتعلّقة به .
واحتجّ أصحاب الظاهر بدليلين :
الأوّل : الآيات والروايات التي أمر فيها بالنكاح مطلقاً ، والأمر المطلق للفريضة والوجوب قطعاً ، إلّا أن يقوم الدليل بخلافه .
الثاني : أنّ الامتناع من الزنا واجب ، ولا يتوصل إليه إلّا بالنكاح ، وما لا يتوصّل إلى الواجب إلّا به يكون واجباً « 5 » .
ويرد على الأوّل : أنّه قد قام الدليل من إجماع السلف وفقهاء الأمصار على أنّه لم يرد بها الإيجاب وإنّما هو مستحب ، ولو كان واجباً لورد النقل بفعله من النبيّ صلى الله عليه وآله
هامش
( 1 ) سورة النساء ( 4 ) : 24 .
( 2 ) بدائع الصنائع 2 : 482 .
( 3 ) سورة النساء ( 4 ) : 23 - 24 .
( 4 ) الجامع لأحكام القرآن 5 : 124 .
( 5 ) بدائع الصنائع 2 : 482 - 483 .