لا يوجب بطلان الإبراء ، فيشمله إطلاق ما دلّ على الصحّة ( « 1 » ) .
وفي قبال ذلك : احتمال بطلان الإبراء في هذا الفرع أيضاً ؛ بدعوى أنّ صحّة المعاملة عرفاً قيد في الإبراء في أمثال هذه الموارد ، وليس مجرّد داعٍ ، فالزوجة إنّما تبرئ ذمته بعد الطلاق ، لا مطلقاً .
حادي عشر - الإبراء والدعاوى :
1 - شفاعة الحاكم في الإبراء :
1 - يظهر من كلمات جملة من الفقهاء المتقدمين القول بعدم جواز شفاعة الحاكم في الإبراء عن الحق وإسقاطه بعد ثبوت الحق عنده ، فلا يجوز له أن يشفع إلى من له الحق في أن يبرئ ذمّة من عليه الحق ويسقطه عنه ( « 2 » ) .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام 25 : 222 .
( 2 ) قال المفيد ( المقنعة : 724 ) : « فإن أقرّ المدّعى عليه بما ادّعاه خصمه وقال : أريد أن ينظرني حتى اتمحّله ، قال الحاكم لخصمه : أتسمع ما يقول خصمك ؟ فإن قال : نعم قال له : فما عندك فيه ؟ فإن سكت . . . وإن قال : أنظره ، فذاك له . وإن أبى لم يكن للحاكم أن يشفع إليه فيه ، ولا يشير عليه بانظاره ولا غيره » .
وقال الحلبي ( الكافي في الفقه : 447 ) : « وإن أقام [ المدّعى عليه ] على الانكار عرض عليهما الصلح ، فإن أجابا إليه رفعهما إلى من يتوسّط بينهما ، ولا يتولى ذلك بنفسه ؛ لأنّ الحاكم نصب للقطع بالحكم وبتّ الحق ، والوسيط شافع ويجوز له في الاصطلاح ما يحرم على الحاكم » .
وقال الشيخ الطوسي ( النهاية : 341 ) ما نصّه مطابق مع نصّ كلام المفيد .
وقال سلّار الديلمي ( المراسم : 232 ) : « ومن أقرّ بالدعوى وسأل الإنظار ، فإن أنظره خصمه ، وإلّا لم يكن للقاضي إلزامه ذلك ولا سؤاله فيه » .
وقال القاضي ابن البرّاج ( حكاه العلّامة في المختلف 8 : 418 نقلًا عن الكامل لابن البرّاج ) : « وإن امتنع - يعني من إنظاره - لم يجز للحاكم أن يشفع فيه إليه ، ولا يشير عليه بنظرة ولا غيرها » .
وقال ابن زهرة ( الغنية : 445 ) ما نصّه مطابق تقريباً مع نصّ كلام الحلبي .
وقال ابن إدريس ( السرائر 2 : 160 ) : « وإن أقرّ المدّعى عليه بما ادّعاه خصمه ، وقال : أريد أن تُنظرني حتى أتمحّله - أي أكتسبه - قال الحاكم لخصمه : فما عندك فيما يقول ؟ فإن سكت . . . وإن قال : أنظره فذلك له ، وإن أبى لم يكن للحاكم أن يشفع إليه فيه ولا يشير عليه بالإنظار ، وله أن يأمرهما بالصلح ويشير بذلك ، لقوله تعالى :« وَالصُّلْحُ خَيْرٌ »( النساء : 128 ) وما هو خير فللانسان فعله بغير خلاف من محصل .
وقد يشتبه هذا الموضع على كثير من المتفقّهة ، فيظنّ أنّه لا يجوز للحاكم أن يأمر بالصلح ولا يشير به ، وهذا خطأ من قائله ، وشيخنا أبو جعفر في مبسوطه قد أفصح عن ذلك وحقّقه وذهب إليه فقال : إذا ترافع إليه نفسان وكان الحكم بينهما واضحاً لا إشكال ] فيه لزمه أن يقضي بينهما ، ويستحب أن يأمرهما بالمصالحة » .
وقال ابن سعيد ( الجامع للشرائع : 523 ) : « ولا يكن شافعاً لأحدهما إلى الآخر ، ويجوز أن يشير عليهما بالصلح » .
هذه جملة من كلمات المتقدمين بهذا الصدد . ونلاحظ أنّ البعض منها رغم أنّه يُعالج شفاعة الحاكم في « الانظار » - وهو غير « الإبراء » و « الإسقاط » كما هو واضح - لكنّه يعطف عليه غيره أيضاً ، وبذلك يشمل شفاعته في الإبراء والإسقاط أيضاً .
والبعض الآخر منها لا يتعرّض إلى غير الشفاعة في « الإنظار » ، وحينئذٍ فلكي يشمل الشفاعة في الإبراء والإسقاط أيضاً لا بدّ إمّا من التمسك بمفهوم الأولوية ، نظراً إلى أنّ شفاعة الحاكم في الإنظار - رغم أنّه أخفّ على من له الحق وأهون عليه من الإبراء وإسقاط الحق نهائياً - إذا كانت محرّمة وغير جائزة شرعاً فشفاعته في الإبراء والإسقاط أولى بالحرمة . وإمّا - على الأقلّ - القول بأنّ النكتة المذكورة في هذه الكلمات متحقّقة هنا ، أو بتعبير آخر : الملاك الموجب لحرمة الشفاعة في الإنظار جارٍ تماماً في الشفاعة في الإبراء .
كما أنّ البعض الثالث منها لا يتعرّض إلّا إلى صلح الحاكم بين المتخاصمين وتولّيه بنفسه دور الوساطة بينهما ، وحينئذٍ فلكي يشمل شفاعة الحاكم وتوسّطه في الإبراء والإسقاط أيضاً لا بدّ إمّا من التمسّك بالأولوية التي تقدّم ذكرها آنفاً ، أو القول بأنّ نفس النكتة المذكورة في هذه الكلمات لحرمة تولّي الحاكم الصلح وتوسّطه في ذلك موجودة في توسّطه في الإبراء والإسقاط أيضاً .