ويمكن توضيح هذا الاستدلال وتحليله بنحو أكمل بأنّ الميزان في الاحتياج إلى القبول بالتصرف في شأن الغير وارادته لا بوجود المنّة وعدمه ، فإذا كان المضمون المعاملي متضمناً للتصرّف فيما يرجع أمره إلى إرادة الغير وسلطنته احتيج إلى القبول ولو لم يكن فيه منّة ، وإذا لم يكن كذلك بل كان راجعاً إلى سلطنة المتصرّف وحقّه محضاً لم يحتج إلى قبول الغير ؛ لعدم دخله فيه ولو كان فيه منّة عليه - كما في العتق - واحتياج الهبة إلى القبول لكونها تمليكاً وهو - كما تقدمت الإشارة إليه - تصرف في شأن الغير وسلطانه .
هذا كلّه ، مضافاً إلى الارتكاز والسيرة العرفية والمتشرعية القاضيتين بعدم احتياج الإبراء وإسقاط الحقوق الشخصية عن ذمّة الغير إلى القبول .
وقد استند المشهور مضافاً إلى ما تقدم ببعض الأدلّة اللفظية المتمثلة في بعض الآيات والروايات :
فمن الآيات قوله تعالى : « إلّا أن يعفون . . . » ( « 1 » ) وقوله تعالى :
« فَنَظِرَةٌ إِلى
مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ . . . »
( « 2 » ) وقوله تعالى :
« وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا »
( « 3 » ) حيث اكتفي في هذه الآيات في سقوط الحق بمجرد العفو والصدقة المراد بهما الإبراء هنا ولم يذكر القبول ، فدلّ على عدم اعتباره .
ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال :
بأنّ الآيات ليست في مقام بيان ما يتحقق به العفو والصدقة ليمكن أن يستفاد من السكوت عن ذكر القبول فيها نفي اشتراطه فيهما .
ومن الروايات استدل بما ورد في تحليل الميت أو الغائب عن الدين وأنّ له بكل درهم عشرة دراهم ( « 4 » ) .
ويمكن أن يلاحظ عليه - مضافاً إلى ورودها في التحليل لا الإبراء - أنّها لا تدل على سقوط الذمة حتى إذا لم يرد المبرأ له ذلك لوروده فيمن يطلب التمليك ولعدم كونه في مقام بيان ما يتحقق به التحليل .
هامش
( 1 ) البقرة : 237 .
( 2 ) البقرة : 280 .
( 3 ) النساء : 92 .
( 4 ) الوسائل 16 : 322 ، ب 13 ، فعل المعروف ، ح 1 و 2 . وانظر : الوسائل 18 : 363 ، ب 23 من الدين والقرض .