للمدّعي المراد به هنا من قام به إنشاء الدعوى التي هي الإخبار الجازم المقتضي لترتّب الحقّ على الغير أو الخروج من الحقّ الذي له عليه ، وإنّما هو من لوازم الدعوى الأولى ، بخلاف الثانية التي هي نحو الإعسار والوفاء وردّ الغصب والوديعة ونحوها ممّا لا يُترك عن المطالبة بالحقّ لو ترك الدعوى بذلك ، وقد اعترف به في المسالك في دعوى الردّ من الأمين .
[ و ] لعلّه لذا [ قيل : ] إنّ المدّعي [ هو الذي يدّعي خلاف الأصل أو أمراً خفيّاً ] منافياً للظاهر الشرعيّ فإنّه حينئذٍ أشمل من الأول .
وعن بعضهم حكاية التفسير بالمعطوف خاصّة عن بعض وبالمعطوف عليه خاصّة عن آخر ، وحينئذٍ تكون الأقوال أربعة ، لكن ظاهر المصنّف والنافع وغيره انحصار الخلاف في قولين ولعلّه لأنّ دعوى تفسيره بالأخير خاصّة ممّا لا ينبغي صدوره ، وكذا تفسيره بالمعطوف عليه .
[ وكيف عرّفناه فالمنكر في مقابلته ] .
وعلى كلّ حال لا يخفى عليك أيضاً أنّه ليس شيء منها منطبقاً على معنى المدّعي الذي قد عرفت ، وإنّما المراد بتعريفه بذلك التمييز بذكر شيء من خواصّه اللازمة أو الغالبة وإن خرجت عن مفهومه ، مع أنّه قد يُناقش أيضاً بأنّ فيه إجمالًا .
فظهر أنّه ليس مدار المدّعي والمدّعى عليه عرفاً من يُقدّم قوله بيمينه ومن يُطلَب منه البيّنة ، فإنّه قد يكون مدّعياً عرفاً ويُقبَل قوله بيمينه ، كما أنّه ظهر لك صدق المدّعي عرفاً مع موافقته للأصل والظاهر ، بل ولا يُترك إذا ترك .
والظاهر أنّ المدّعي والمدّعى عليه معنى واحد ، وليس هذا اختلافاً في معناهما على وجه يوجب الاختلاف في الأحكام ، وإنّما أرادوا التمييز في الجملة . فالمراد بالمدّعي الذي قام به إنشاء الخصومة في حقٍّ له أو خروج من حقٍّ عليه ، سواءٌ وافق الظاهر والأصل بذلك أو خالفهما ، وسواء تُرِك مع سكوته أو لم يُترك ، وكيف كان فالرجوع إلى العرف في مصداقهما أولى من ذلك كلّه .
40 / 371 - 376
أوّلًا : شروط سماع الدعوى :
1 - اشتراط البلوغ والعقل في المدّعي وأن يدّعي لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه وما يصحّ منه تملّكه :
لا خلاف في أنّه [ يشترط ] فيه أي المدّعي [ البلوغ والعقل ، وأن يدّعي لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه ، وما يصحّ منه تملّكه ، فهذه قيود أربعة ، فلا تسمع دعوى الصغير ولا المجنون ] بلا خلاف أجده فيه ، كما اعترف به بعضهم ، بل هو إجماع .
[ ولا دعواه مالًا لغيره إلّا أن يكون وكيلًا أو وصيّاً أو وليّاً ] كالأب والجدّ [ أو حاكماً أو أميناً لحاكم ] بلا خلاف أجده في حكم المستثنى منه ولا في حكم المستثنى ، وإن قال بعض مشايخنا : " لا يحلف الوليّ ولا يحلف " . وفيه أنّ عموم الولاية يقتضي أنّ له التحليف .
40 / 376 - 377
2 - اشتراط صحّة الدعوى في نفسها وكونها ملزمة للمدّعى عليه :
[ لا تسمع دعوى المسلم خمراً أو خنزيراً ] ونحوهما ممّا لا يصحّ تملّكه له ، نعم لا بأس بدعوى استحقاق ثمنها حال عدم الإسلام .