يكون الإتلاف والنقص واقعاً عليها ، وإنّما يلحظ تفويت المنفعة مستقلّاً إذا كانت فائتة مع بقاء العين ، وهذه نكتة عرفية لا ينبغي التشكيك فيها . وعلى أساس منها نقول في المقام : بأنّا حتى إذا قبلنا ضمان اجرة عمل الحرّ الكسوب إذا حبس من قِبل الغير بملاك التفويت أو الإضرار مع ذلك لا يمكن قياس المقام عليه والحكم بضمان الكسب الذي عجز عنه المجني عليه نتيجة وقوع النقص والجناية عليه ، كالرسّام أو النجّار إذا قطعت يده مثلًا أو القارئ إذا قطع لسانه ؛ لأنّ هذا من باب إتلاف العين لا تفويت المنافع .
هذا ، مضافاً إلى أنّه لا ضابطة عرفية أو شرعية لتحديد مقدار التعويض اللازم جزاء ما يفوته من الكسب والمنفعة لولا الجناية ؛ لتفاوت المكاسب والواردات المحتملة كمّاً وكيفاً وعدم إمكان تحديدها في مقدار معين إلّا اعتباطاً ، مما يبعّد فكرة الضمان في المقام زائداً على ما حدّده الشارع من الدية .
بل يمكن أن ندّعي القطع - أو الاطمئنان على الأقلّ - بعدم ضمان الجاني في شرعنا الأقدس لما يفوت المجني عليه من الكسب ونحوه من الاضرار التبعية ، والتي حكمت أكثر القوانين الوضعية اليوم بضمانها ؛ وذلك لأنّنا لو لم نستطع أن نستفيد من سكوت كافّة روايات الديات عن ذكر ذلك دلالة على عدمها - بدعوى كونها في مقام بيان ضمان دية العيب والنقص الواقع على البدن فقط لا الاضرار المادية الأخرى - فلا إشكال في أنّ هذه المسألة كانت موضع الابتلاء كثيراً ، فما أكثر الجنايات التي تقع عمداً أو سهواً أو خطأً في المجتمع ، والتي كان يُقضى فيها بدفع الدية أو بالقصاص ! فلو كانت المنافع والمكاسب العائدة إلى المجني عليه مضمونة على الجاني - وعادة يكون للمجني عليه كسب وعمل يفوته ولو موقتاً - بالجناية لانعكس ذلك واشتهر وبان في الروايات والفتاوى ، مع أنّه لم يرد شيء من ذلك ، ولم يرد في مورد أنّ القضاء الإسلامي غرّم الجاني ما كان يكسبه المجني عليه لولا الجناية ، بل ولعلّ في الروايات الدالّة على أنّ المسلمين تتكافأ دماؤهم
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 370
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٣٧٠