الجهة الثانية - في حكم العربون
: انّه لا إشكال في صحّة أخذ العربون إذا كان لمجرد أنّه مقدار من الثمن أو الأجرة يقدم للمالك لإلزام العقد من دون ان يكون هناك خسارة على تقدير الفسخ . وكذلك الحال لو فرضنا انَّ العربون ثمن في قبال تمليك المالك التزامه بعدم الايجار أو البيع من غيره ، بناءً على كونه عقداً تامّاً ، فلا يكون جزءاً من الثمن أو الأجرة عندئذٍ ، بل يكونه في قبال نفس تمليك التعهد والالتزام ، إذ انّه عقد مستقل قد يقع مجاناً وقد يقع في قبال عوض ، سواء اشترى أو استأجر بعد ذلك أم لا ، وأثره انّه لو لم يف بالتزامه كان له استرجاع ذلك .
وإنّما الكلام في حالة ثالثة هي المتعارفة خارجاً ، وهي أنَّ العربون يدفع ليكون قسطاً من الثمن أو الأجرة على تقدير تمامية الاتفاق ، ويكون بدلًا عن الفسخ إذا أراد صاحبه أن يتخلف فلا يشتري أو لا يؤجر ، كما أنَّ المالك إذا رجع عن قراره لا بدَّ وان يرجع العربون مع خسارة مقداره للمشتري ، فهل يجوز أخذ العربون على هذا الوجه أم لا ؟
ويمكن أن يستدل على عدم الجواز بوجوه :
الوجه الأوّل : أنّه أكل للمال بالباطل ، فيشمله النهي الدال على بطلان تملكه ؛ كما في قوله تعالى : «
لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ »
( « 1 » ) إذ المراد بالباطل كل تملك وأخذ للمال من دون ما بإزاء ومقابل مع عدم كونه تمليكاً مجانياً من قبل مالكه ، ولهذا طبق عنوان الباطل في الروايات على السرقة والقمار والربا ، فإنّ الأخذ في كل ذلك يكون أخذاً بالباطل ، لأنه بلا إذن وتمليك من المالك مجاناً ، ولا في قبال عوض ليكون تجارة . وفي المقام إذا لم يتحقق الاتفاق ولم يتم العقد كان أكل العربون بلا ما بإزاء ، والمفروض انه لم يكن
هامش
( 1 ) ( ) النساء : 29 .