ويلاحظ عليه :
انَّ الجهة المنظور إليها في هذه الروايات إنّما هي البيع لما لا يملكه وايجابه قبل الشراء ، أو بيع شيء نسيئة بأكثر بعد شرائه بأقل نقداً ، ويجعل ذلك بنحو بحيث يكون للمشتري نسيئةً من أوّل الأمر ، أي بمجرد شرائه بالنقد بحيث لا يتحمل صاحب النقد الخسارة ولكن يربح التفاوت الذي فيه شبهة الربا أو ربح ما لم يضمن ، وهذا ما لا يرضى به الشارع .
وكلّ هذه الأمور أجنبية عن محل البحث ، والذي يكون فيه التعهد من المالك بأنْ لا يبيع أو يؤجر ماله إلّا منه من دون وجود بيعين من شخصين ، أي لا يوجد أشخاص ثلاثة بل هما البائع والمشتري ، ولا ربح بإزاء الاجل والنسيئة ، فلا يمكن افتراض أنَّ مفاد هذه الروايات بطلان الالتزام والتعهد بالبيع فيما بعد بين البائع والمشتري بنحو يكون ملزماً عليهما من أوّل الأمر كما أن الالتزام بالبيع والنقل منه عمل يملكه بالفعل وليس كالمال الذي لا يملكه بعد .
فالحاصل : ليس مفاد هذه الروايات بوجه من الوجوه أنّه لا يمكن للانسان أن يلزم نفسه ببيع شيء في المستقبل من خلال ملزم كالعقد أو الشرط في ضمن عقد ، وإنّما تمام النظر فيها إلى احدى النكات المذكورة في بيع ما لا يملكه قبل تملكه بأكثر نسيئةً ، ومن هنا كان الوارد فيها ألّا يكون المشتري ملزماً بالشراء بذلك الثمن الأكثر المتفق عليه في بداية الأمر ، لا ألّا يكون البائع ملزماً بالبيع ، بخلاف المقام الذي يكون فيه البائع ملزماً بالبيع منه في قبال ما أخذه من العربون ، فالروايات المذكورة أجنبية عن هذا البحث بالمرّة .
هذا كله مضافاً إلى أنَّ هذه الروايات واردة في خصوص البيع ، ولا يمكن التعدي منه إلى الوعد بالايجار أو غيره من التعهدات لو فرض تمامية المقتضي لنفوذها .
فالأصح في المنع عن لزوم مثل هذه التعهدات هو المنع عن عموم المقتضي كما عرفت .
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 279
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٢٧٩