تارة يتصوّر استقلالا تامّا ، بأن يتصرّف مستقلّا في أموال الصغائر وينظر في أمورهم ، ويكون أمره نافذا في جميع شؤونهم ، وأخرى يتصوّر شرطا ، بأن يكون إذنه شرطا في جواز تصرّف الغير في أموالهم ، ورضايته دخيلا فيه بحيث لو لم يأذن لا يصحّ لأحد أن يتصدّى أمرا من أمور من لا ولي له .
وتقع كلتا الصورتان موردا للبحث والنظر .
وأمّا الأمر الثاني [ أي في منشأها ]
، فقد تقدّم « 1 » أنّ ما يقتضيه الأصل الأوّلي أن لا تكون لأحد الولاية على غيره ، خرج منه النبيّ والأئمّة عليهم السّلام بالدليل . وحيث إنّ منشأ ولاية الفقهاء - رضوان الله عليهم - ولايتهم عليهم السّلام وكونهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فلا بدّ من التعرّض أوّلا لولاية النبيّ وأوصيائه عليهم السّلام وكيفيّتها ، ثمّ النظر في أنّ أيّ قسم منها يصلح تفويضه إلى الفقيه ، وإعطائه إيّاه ، أو لا يمكن أصلا ، بل هو من خصائصهم ، وشؤون شخصيّاتهم ، ويعدّ من مناصبهم القائمة بهم .
وأقوى ما استدلّ به ، وأصرح ما يعتمد عليه في المقام قوله تعالى :
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
« 2 » في الأمور الاعتباريّة التي اعتبرها العرف في عيشهم ونظم أمورهم وإدارة حياتهم ، أو الأمور المدنيّة التي لا بدّ منها في الحياة الاجتماعيّة المختصّة بالطبيعة الإنسانيّة ، أو الغالبة عليها ، ممّا يصلح دينهم ودنياهم ولحفظ أمنهم وإيمانهم .
وأمّا كونه أولى بهم في الجزئيّات المتعلّقة بعموم الناس ، فليس موردا للبحث ولا ثمرة لنا فيه ؛ للقطع بعدم ثبوت هذه الولاية للفقيه على كلّ حال ، بل المقصود الأمور الاعتباريّة الجعليّة المختلفة باختلاف المعتبر والاعتبار ؛ والآية في مقام إعطاء الولاية وجعلها للنبي على المؤمنين في سنخ تلك الأمور ، بحيث أنّ له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يزوّج صغيرة من شخص ، ويبيع أموالها ، ويشتري له ، وكذا الصغير والسفيه ، ومن هو قاصر عن القيام بأمره وتشخيص مصالحه - إمّا لنقص في عقله أو ضعف في رشده - بل وله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم التصرّف في أموال الكبار
هامش
( 1 ) . قد تقدّم في مقدمات كتاب « الهداية إلى من له الولاية » فراجع .
( 2 ) . الأحزاب ( 33 ) : 6 .