تمكّنهم منه ، والتمكّن من الأشكل دليل على التمكّن من الأسهل .
ومقتضى ذلك تيسّر الاجتهاد لعموم المكلّفين ، وعدم اختلال أمور العالم به ، وانتفاء المفاسد عن وجوب ذلك عليهم .
هذا حاصل ما قيل .
فالجواب عنه : أنّ ما فيه الغموض والإشكال ، هو طريقة الحكماء والمتكلّمين ، والأفاضل المدقّقين في تحصيل أصول العقائد بالبراهين العقليّة .
ومعلوم أنّ عموم المكلّفين غير مأمورين بهذه الطريقة ، بل قنع اللّه فيهم بالاستدلال عليه تعالى بسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، أو بمجرّد حركة الأفلاك ، وأين ذلك من قواعد الاجتهاد ، واستنباط جميع المسائل المحتاج إليها من أدلّتها التفصيليّة ، وإشكال ذلك ظاهر على من دخل فيه أو تقرّب إليه .
وثالثا : أنّ العامّي إذا نزلت به الحادثة فإن لم يكن فيها مكلّفا بشيء ، فهو باطل بالإجماع
، وكذا إن قيل بكونه مكلّفا بالرجوع إلى أصالة البراءة . وإن كان مكلّفا بالرجوع إلى الأدلّة التفصيليّة ، فإن كان مكلّفا به حين حدوث الحادثة فهو تكليف بما لا يطاق ، وإن كان مكلّفا به قبل حدوث الحادثة عند استكمال عقله بأن كان تكليفه بعد كمال عقله تحصيل معرفة أحكام جميع الحوادث من الأدلّة التفصيليّة ، يستغني بمعرفته عن الرجوع إلى غير عند حدوث الحوادث ونزول الوقائع ، فهو أيضا خلاف الإجماع ، وفيه العسر والحرج وتعطيل أمور العالم ، بل التكليف بما لا يطاق .
مع أنّ الوقائع لو كانت متناهية ، فتحصيل معرفة أحكامها لا يمكن إلّا في مدّة مديدة ، وأزمنة طويلة ، فربّما تقع واقعة يعرف حكمها في آخر تلك المدّة في أوّل المدّة وإن كان مكلّفا بالرجوع إلى المجتهد المعيّن - المفتي - فهو المطلوب .
ورابعا : الكتاب
، مثل قوله تعالى :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
« 1 » .
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 122 .