قال في المعالم :
وقد حكى غير واحد من الأصحاب اتّفاق العلماء على الإذن للعوام في الاستفتاء من غير تناكر . « 1 » انتهى كلامه .
وثانيا : أنّ العامّي مكلّف بتكاليف كثيرة يجب عليه امتثالها ، والامتثال فرع العلم بكيفيّة التكليف والمكلّف به .
وطريق تحصيل ذلك العلم إمّا الرجوع إلى المآخذ التفصيليّة وهو المسمّى بالاجتهاد ، وهو في حقّ العامّي ما دام عامّيّا محال ؛ لاحتياجه إلى علوم كثيرة ، وقوّة قدسيّة يتمكّن بها من ردّ الفروع إلى الأصول ، وبذل جهد في تحصيل الظنّ بالحكم ، مع إعراض عن الأشغال الدنيويّة .
وهذه الأمور من العوامّ مستحيلة ، سيّما في هذه الأزمنة التي قد كثرت فيها الأقوال في المسائل وتراكمت الأفكار ، وتزاحمت الأنظار ، وإن أوجب الاجتهاد على كلّ أحد والاشتغال بتحصيل مقدّماته في أوّل التكليف ، فهو مع أنّه خروج عمّا نحن فيه - وهو حكم العامّي ما دام عامّيّا - أنّه يوجب اختلال الأمور الدنيويّة ، وتعطيل أمور المعاش ، ويستلزم العسر والحرج في الشريعة السهلة ، بل هذا التكليف بالنسبة إلى كثير من الناس تكليف بالمحال ، كما في ذوي العاهات والبلهاء ، وأهالي المدارك القاصرة والنسوان .
مع أنّ الاجتهاد في هذا الزمان يحتاج إلى اجتماع كتب كثيرة ، قلّ ما تجتمع لأرباب الثروة وأصحاب الدولة ، وإن بذلوا جهدهم في تحصيلها .
وأمّا تسهيل الاجتهاد بحيث يتمكّن منه كافّة الناس فهو عين التقليد ، كما سنبيّن عن قريب .
وإمّا « 2 » الرجوع إلى الفقيه ، وهو المطلوب .
وما يقال : من أنّ كافّة الناس مكلّفون بمعرفة أصول العقائد لا على وجه التقليد ، والاجتهاد في مسائلها أشكل ؛ لغموضها وكثرة الشبهات فيها ، وتكليفهم بذلك دليل على
هامش
( 1 ) . معالم الدين : 259 .
( 2 ) . عطف على « طريق تحصيل هذا العلم » .