جودة الموظّفين المصريّين العاملين في الدوائر الإنجليزية قدّموا استقالاتهم ، ولم يبد أيّ شخص آخر استعداده للتعويض والتطوّع للعمل في تلك الدوائر .
أدهش هذا الوضع اللورد كرومر « 1 » المستشار الاقتصادي الإنجليزي ، وهو يرى أنّ ممثّلي كبار الشركات التجارية التابعة للدولة الإنجليزية - وخصوصاً ممثلي استيراد وتوزيع البضائع الكماليّة - قد ارتفعت أصواتهم بالشكوى والتذمّر من تكدّس بضائعهم وعدم رغبة المواطن المصري بشرائها ، ويقولون : إنّهم بدأوا يضعون كفّاً على كفٍّ بانتظار من يراجعهم ، حتّى وصل بهم الحال إلى عدم استطاعتهم تأمين نفقات محالّهم أو رواتب عمّالهم .
هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإنّ البعض من ممثّلي الدولة لجبي الضرائب من محالّ بيع المشروبات الكحوليّة ودور العهر والسينمات والمسارح قد تركوا عملهم أو قدّموا استقالاتهم .
وجد اللورد كرومر أنّ نشاط خمسة وثلاثين عاماً من الأعمال التي قامت بها الجاليات التبشيريّة في مصر بالقياس إلى ما قام به الحزب الوطني المصري خلال شهر ، هو واحد من ستّة عشر !
هامش
( 1 ) اللورد إيفلن بارنغ كرومر : سياسي بريطاني ومعتمد بمصر من سنة 1883 إلى سنة 1907 م . ولد سنة 1841 م لأُسرة تعمل في التجارة والمال ، واشتغل ضابطاً بالجيش البريطاني سنة 1858 م ، وعمل أميناً خاصّاً لحاكم الهند الإنجليزي ، وجاء إلى مصر مندوباً لصندوق الدين الذي يضمّ حقوق الدائنين الأجانب . عمل وزيراً لمالية الهند ، وعاد إلى مصر بعد الاحتلال قنصلًا عامّاً لبريطانيا ، وصار الحاكم الفعلي ، وكان على كفاية مالية وإدارية كبيرة ، وعيّن مستشارين إنجليز بالوزارات المصرية كجهاز للسيطرة على الإدارة المصرية . وبدأ السخط على سياسته بعد حادثة دنشواي سنة 1906 م ، فسحبته الحكومة الإنجليزية ، وحلّ محلّه شخص آخر ، وترك مصر سنة 1907 م . ألّف كتاب « مصر الحديثة » ، وكتاب « عبّاس الثاني » . توفّي سنة 1917 م . ( موسوعة السياسة 5 : 115 ) .