إلى أن يجعلوا هذا القبض أمرا صوريّا ، فكانوا يكتبون في بياعاتهم أنّ القبض قد تمّ ، فكان من وراء هذا القبض الصوريّ أن تنتقل الملكيّة إلى المشتري ، والمفروض أنّها انتقلت بالقبض ، والواقع أنّها انتقلت بذكر حصول القبض في العقد ، على أنّ ذكر حصول القبض ما لبث أن أصبح هو أيضا شرطا مألوفا في عقد البيع ، أي شرطا ضمنيّا لا حاجة إلى التصريح به .
وقال صاحب الوسيط : قد جاوز الفقه الإسلاميّ هذه المرحلة التي وصل إليها القانون الفرنسيّ القديم فجعل الملك ينتقل بالعقد مباشرة .
وعلى أيّة حال ، ففي القانون الفرنسيّ الحديث لمّا رأى واضعو تقنين نابليون إلى أين انتهى التطوّر في القانون الفرنسيّ القديم على النحو الذي أسلفناه خطوا آخر مرحلة من مراحل هذا التطوّر ، فجعلوا البيع ذاته ناقلا للملكيّة ، لا بمعنى أنّ البيع إنشاء للتمليك ، بل هو لا زال إنشاء للالتزام بنقل الملكيّة ، ولكنّه يتمّ نقل الملكيّة كقاعدة عامّة فورا بمجرّد نشوء الالتزام ، فينتهي الالتزام ، وذلك لدى توافر شروط معيّنة من التسجيل في العقار والإفراز في المنقول الذي يكون كلّيّا وغير معيّن بالذات مع عدم فقدان شرط يتّفق عليه المتبايعان ، كما لو اتّفقا على أن لا تنتقل الملكيّة إلّا عند تسليم المبيع إلى المشتري مثلا ، فإن لم تكن هذه الشروط متوفّرة انفصلت الملكيّة عن الالتزام ، فالبيع قد أوجد الالتزام بنقل الملك ، ولكن النقل يتحقّق في زمن متأخّر متى ما توفّرت الشروط . أمّا لو كانت هذه الشروط متوفّرة حين العقد فالالتزام بنقل الملكيّة يتمّ تنفيذه فورا بحكم القانون ، وفي صورة عدم توافر الشروط يجب على البائع تهيئة المقدّمات اللازمة لتوافرها وفاء بما التزم به ، وبعد أن أصبح البيع ناقلا للملكيّة بالمعنى الذي عرفت صار بيع ملك الغير لا يتلاءم مع طبيعة البيع ، فحكموا ببطلانه .
فقه العقود — صفحة 179
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٧٩