وتوضيح ذلك : أنّه مضى في بحث الملكيّة أنّ المناشئ الأوّليّة للملكيّة الاعتباريّة في ارتكاز العقلاء أمران : الحيازة ، والعلاج أو الصنع ، فالحيازة توجب ملكيّة الأشياء المنقولة ، والعلاج أو الصنع يوجب ملكيّة الأشياء غير المنقولة ، كما في إحياء الأرض أو تعميرها ، أو حفر عين الماء ، أو ما شابه ذلك . وهنا نقول : إنّ العلاج أو الصنع لا يختصّ بالأشياء المادّيّة غير المنقولة بل يتحقّق في الأمور المعنويّة ، فمؤلّف الكتاب يكون صانعا لتلك الشخصيّة المعنويّة وهي شخصيّة الكتاب بوجوده التجريديّ ، وقد يكون تعب عليها أكثر من تعب محيي الأرض أو معمّرها ، أو حافر العين وأمثالهم ، وقد يكون صنعه وعلاجه أشدّ وأقوى من صنعهم وعلاجهم ، وقد لا يختصّ علاج صاحب الكتاب بمجرّد التأليف والتبويب والجمع والترتيب ، بل تكون له إبداعات حديثة وابتكارات جديدة خلقها وضمّنها الكتاب .
والكبرى المركوزة في الذهن العقلائيّ إنّما هي مملكيّة الصنع والعلاج بالمعنى الشامل لصنع الأمور المعنويّة ، غاية ما هناك أنّ الأفراد المعنويّة لم تكن موجودة في زمن المعصوم ووجدت في الأزمنة المتأخّرة ، وهذا يعني التوسّع في المصداق والتطبيق لا في أصل الارتكاز .
والصحيح : أنّ هذا الوجه غير تامّ ، فإنّ أمثال هذه العلاجات المعنويّة والصنع المعنويّ كانت موجودة في زمن المعصوم ولو بمستوى منخفض وضيّق ، فهناك تأليفات في ذاك الزمن وهناك إبداعات راقية وقتئذ بالقياس إلى زمانها ، ولكن لم يكن هناك ارتكاز امتلاكها من قبل مؤلّفها أو مبدعها ، أو نشكّ - على الأقلّ - في وجود ارتكاز من هذا القبيل وقتئذ . وكان السبب في عدم هذا الارتكاز عدم الشعور بحاجة إلى اعتبار ملكيّة من هذا القبيل ، إذ لم يكن مجال
فقه العقود — صفحة 161
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٦١