فإنّ هذه العناوين صادقة لمرتبة خاصة من التجزي فلا يشترط الاجتهاد المطلق ، ويؤيد ذلك أُمور :
1 - إنّ القضاة التي كانت الشيعة تفزع إليهم في تلك الأيام ، لم يكونوا إلّا في هذه الدرجة من العلم والعرفان ، ولم يكن لهم معرفة فعلية لجميع الأحكام ، لتفرّق الروايات بين الرواة ، وعدم وجود جامع بين الحكّام حتى يكونوا متدرعين بالعلم بجميع الأحكام .
2 - كان الأمر في عصر النبيّ والوصيّ عليهما السَّلام أيضاً كذلك فقد بعث النبي معاذاً ، إلى الجبل وقال له : « كيف تقضي إذا عرض لك القضاء ؟ » قال : أقضي بكتاب الله قال : « فإن لم تجد في كتاب ؟ » ، قال : بسنّة رسول الله . . . « 1 » أتظن أنّ معاذاً كان مسلّطاً على جميع الأحكام المشرّعة إلى يوم ذاك .
3 - كتب الإمام إلى واليه مالك الأشتر في عهده وقال : « ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممن لا تضيق به الأُمور ولا تمحكه الخصوم إلى أن قال : وأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج » . « 2 » وهل كانت مصر في ذلك اليوم تطفح بفقهاء ومجتهدين عارفين جميع الأحكام الشرعية ، وإنّما كانوا يحفظون من الكتاب والسنّة وعمل الصحابة أشياء يقضون به ولو كان الاجتهاد المطلق شرطاً ، لعطّل باب القضاء في مصر .
نعم كلّما تقدّمت الحضارة الإسلامية ، وتفتحت العقول وازداد العلماء علماً وفهماً ، تسنَّم منصَّة القضاء من له خبروية كاملة في الفقه ، وعلم بحدود الشريعة علماً محيطاً ، ولم يكن ذلك بوازع ديني ، بل كان نتيجة سير العلم وتقدّم الثقافة .
نعم قد أخذ القضاء في عصرنا لوناً فنِّياً ، وصار عملًا يحتاج إلى التدريب والتمرين فلا مناص عن إشراف قاض مدرّب ومجرّب على عمل القضاة المتجزءين
هامش
( 1 ) الجزري : جامع الأُصول : 10 / 551 .
( 2 ) نهج البلاغة ، قسم الرسائل ، برقم 53 .