العقلاء ولا من الفقهاء وطبيعة الموضوع تقتضي شرطيتهما ، فلم يُرَ صبيّ ولا سفيه على منصّة القضاء ، وكيف يمكن للصبي أن يدير دفّة القضاء مع أنّه رفع عنه القلم « 1 » وعمده وخطؤه سيّان « 2 » ؟ ! أضف اليه أنه هو مولّى عليه ، فكيف يكون وليّاً للمتحاكمين ؟ ! على أنّ شرطية العدالة تلازم اشتراطهما لأنّ العدالة أو الفسق فرع التكليف وأمّا قوله سبحانه : (
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
) ( مريم / 12 ) حيث نصب يحيى على القضاء والحكم وهو صبيّ ، فإنّما هو من باب الكرامة على سبيل خرق العادة فلا يقاس عليه ولا على أئمّة أهل البيت ، آحاد الناس . وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : « لا يقاس بآل محمّد من هذه الأمّة أحد » . « 3 »
غير أنّ المحقق عبّر عن الشرط الثاني بكمال العقل والظاهر أنّ مراده هو أن لا يكون سفيهاً بحيث يقال إنّه ناقص العقل وأمّا الذكاء والتوقد الفكري ، أو الفطنة فلا يطلبه أصل القضاء .
غير أنّ هنا نكتة نلفت نظر القاضي إليها وهو أنّ الموضوع إذا كان ملتوياً ومعقداً ، بحيث لا يطمئنّ القاضي بتمحيصه وتشخيصه ، يلزم عليه أن لا يمارسه ، بل يستعين فيه بالخبراء الذين لهم ذكاء خاص في حلّ الأُمور المعقّدة والمعضلات من المسائل القضائية ، لأجل الممارسة الممتدّة .
وذلك لأنّ المسائل القضائية مع اشتراك الجميع في جهة ، تختلف في البساطة والتعقيد ، وليس كل موضوع منهلًا لكل وارد وشارد ، وعليه في الأُمور المعقدة ، التي تطلب لنفسها مهارة وذكاء وتوقداً خاصاً أن يجب لا يمارسها القاضي إلّا بعد توفّر الشروط التي تطلب لنفسها إمّا بجعلها شورى بين القضاة ، أو الاستعانة بمن توفرت فيه الشروط كما لا يخفى .
هامش
( 1 ) الوسائل : الجزء 18 ، الباب 8 من أبواب مقدّمات الحدود ، الحديث 2 .
( 2 ) الوسائل : الجزء 19 ، الباب 11 من أبواب العاقلة ، الحديث 2 ، 3 ، 5 .
( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة 3 .