ذلك تحرم الأُجرة في مقابل كفن المسلم ودفنه والصلاة عليه فإنّ ظاهر الأدلّة كونها من حقوق الميّت على المسلم الحيّ فأخذ الأُجرة فيه كأخذ الأُجرة على عمل مستحقّ لآخر كما إذا نذر أن يبني مسجد لله ، فلا يجوز له أخذ الأُجرة في مقابل العمل .
هذه هي الموانع الثلاثة عن صحّة الإجارة وأخذ الأُجرة ويمكن إرجاع الثاني إلى الأوّل ، لأنّ الموجر لا ينتفع بعمل الأجير إذا كان المورد أمراً عبادياً قربيّاً ، إذ تشترط في صحّته نيّة القربة غير الجامعة مع أخذ الأُجرة . وأمّا إرجاع الثالث إلى الثاني ، كما عليه المحقّق الرشتي « 1 » فلا ، لأنّ المفروض أنّ الميت أو وليّه ينتفع بعمل الأجير بدفن الميّت أو الصلاة عليه .
وأمّا المقام فليس القضاء ممّا لا ينتفع به أهل البلد أو المتحاكمان ، بل هو قوام الحياة والمجتمع ، وليس عملًا عبادياً حتى لا يجتمع مع أخذ الأُجرة وليس من حقوق الغير ، وإلّا أصبح جميع الخدمات من هذا القبيل إذ أيّ فرق بين قضاء القاضي ومراقبة الحارس ومرابطة المجاهد في الحدود ، وطبابة الطبيب حيث لا تخطر ببال أحد ، حرمة أخذ الأُجرة على تلك الخدمات بل الجواز فيها بمكان من الوضوح إذ تحريم أخذ الأُجرة فيها يوجب اختلال النظام وتسرّب الفوضى إلى المجتمع .
وكونه واجباً لا يمنع عن الإيجار ما لم يكن حقّاً للغير أو لم تكن الأدلّة ظاهرة في كونه عملًا تبرعيّاً فإنّ الواجب على قسمين : واجب بقيد جواز أخذ الأُجرة ، كما هو الحال في الخدمات والصناعات من غير فرق بين الكفائي والعيني وكون العامل فقيراً أو غنياً ، فلا يمنع وجوب العمل فيها عن عقد الإيجار ، وواجب بقيد كونه تبرعيّاً أو متعلّقاً لحقّ الغير . فمجرّد الوجوب لا يكشف عن كونه عملًا تبرعياً مستحقاً للغير ، كما أنّ جواز الإجبار ، لا يكشف عنه ، فإنّ مناط الإجبار ، كون العمل
هامش
( 1 ) القضاء : 87 .