لعدم جواز بيع ما لا يملك ، وأين هو من بيع السلم الذي هو بيع شيء في الذمة ، فلم يكن ما صدر عن الرسول بنحو الضابطة شاملًا لبيع السلم حتى يكون الثاني استثناء من الأوّل ومبنيّاً على اجتهاده واستحسانه .
ومنه يظهر حال المثال الثاني أعني : « نهى رسول اللّه عن بيع الرطب باليابس » .
فانّ نهي رسول اللّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - إنّما كان منصبّاً على المجنيّ من الثمرة دونما كان على الشجرة ، فنهى عن بيع الرطب باليابس ، لئلا يلزم الربا ، وإليك نصّالحديث :
عن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت رسول اللّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر ، فقال : أينقص الرطب إذا يبس ؟ قال : نعم ، فنهى عن ذلك . « 1 » وعلى ذلك فالنهي كان منصبّاً على البيع الشخصي ، أي تبديل الرطب المعيّن بعين يابس ، وعلى ضوء ذلك فلم يكن بيع العرايا داخلًا في النهي حتى يحتاج إلى الترخيص ويكون مبنياً على الاستحسان .
ومن ذلك يعلم أنّ ما رواه زيد بن ثابت « انّ رسول اللّه رخص في العرايا تباع بخرصها كيلًا » « 2 » ليس بمعنى انّه كان ممنوعاً ، ثمّ رخصه رسول اللّه ، بل بمعنى عدم تعلّق النهي به من بدء الأمر ، بخلاف المجنيّ .
وأمّا الثالث فلأنّ استثناء الأُذخر من « اختلاء خلاه » ليس بمعنى انّ النبي استثناه من تلقاء نفسه معتمداً على الاستحسان ، بل كان الحكم ( لا يخضد شجر مكة ولا يختلي خلاها ) غير شامل للأُذخر في الواقع ، ولعلّ النبي كان مستعداً لبيان المخصص غير أنّ عمه العباس لما سبقه وقال : إلّا الأذخُر ، فأعقبه النبي وقال : إلّاالأُذخُر ، فزُعم انّ النبي قاله اجتهاداً أو استحساناً ، وما ذكرناه وإن كان احتمالًا ، لكنّه يكفي في نقض الدليل وإسقاطه عن الصلاحية
هامش
( 1 ) بلوغ المرام : 172 ، الحديث 865 .
( 2 ) بلوغ المرام : 173 ، الحديث 867 .