تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
التي يتحامل بها على الشيعة . ونحن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ مجال التقية إنّما هو في حدود القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس ، فإذا دلّت القرائن على أنّ في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت ما يُلحق بالمؤمن الضرر ، يُصبح هذا المورد من مواردها ، ويحكم العقل والشرع بلزوم الاتقاء حتى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر . وأمّا الأُمور الكلّية الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصوّر فيها التقية ، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في هذا النوع الأخير ، إذ لا خوف هناك حتى يكتب خلاف ما يعتقد ، حيث ليس هناك أيُّ مُلْزم للكتابة أصلًا في هذه الأحوال فله أن يسكت ولا يكتب شيئاً . فما يدعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشئ عن قلّة معرفتهم بحقيقة التقية عند الشيعة . والحاصل : أنّ الشيعة إنّما كانت تتّقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم ، ولا قدرة ولا منعة تدفع عنهم الأخطار . وأمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ ولا مبرّر للتقية إلّا في موارد جزئيّة خاصة . إنّ الشيعة كما ذكرنا لم تلجأ إلى التقية إلّا بعد أن اضطرّت إلى ذلك ، وهو حق لا أعتقد أنّ أحداً ممّن ينظر إلى الا مور بلبّه لا بعواطفه يخالفها فيه ، إلّا أنّ من الأُمور المسلّمة في تاريخ التشيّع ، كثرة التقية على مستوى الفتاوى ، وأمّا على المستوى العمليّ فالشيعة من أكثر الناس تضحية ، وبوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية وغيره من الحكّام الأمويين ، والحكام العباسيين ، أمثال حجر بن عدي ، وميثم التمار ، ورشيد الهجري ، وكميل بن زياد ، ومئات من غيرهم ، وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية وقد مرّ تفصيله في بعض الفصول .
الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 320 | الشيخ جعفر السبحاني